غرفة كارل أبل

الاثنين 2014/07/07

يدخل المرء إليها فينفصل عما يحيط بها، كما لو أنه يحلق في فضاء هو من صنع كائناتها. غرفة كارل أبل هي جزء من متحف ستيدلكك بأمستردام، غير أنها الجزء العاكف على عالمه الخاص.

يحتفي الزائر العابر بالرسام الهولندي مثلما كانت إدارة المتحف تخطط، وهي تفعل الشيء نفسه حين قررت أن يصنع الرسام الذي غادر عالمنا عام 2006، غرفته مثلما يشاء ويضع فيها ما يريد.

لقد هيأت إدارة المتحف للرسام المولود عام 1921 فرصة تاريخية نادرة، لم يحظ بها سواه من الرسامين ليصنع بنفسه جزءا من حضوره في تاريخ بلاده، الذي لن يكون معزولا عن تاريخ البشرية.

فالمتحف الذي يؤمه بشر من مختلف أنحاء العالم يوميا، هو في حقيقته فضاء إنساني تمتزج فيه الأعمال الفنية برؤاها، التي تجمع يسر الجمال اليومي بخرافة الخيال الذي تقترحه أبدية يرتجل الفنانون ملامحها.

كان نوعا من الذكاء أن تقترح إدارة المتحف على أبل بأن يلون في حياته جدران غرفته لتكون بمثابة محجّ للمعجبين به. كما لو أنه غادرها لتوّه. كما لو أنه ذهب لتناول فنجان قهوة في مقهى المتحف. ينتظر زوار غرفته عودته. كائناته لا تزال نضرة. لم يجف زيتها بعد.

أن ننتظر شيئا هو ما يضفي على متعة النظر غواية مختلفة. إنها غواية الموت التي تهب الحياة معاني، هي ليست من خلقها. لقد رسم أبل كل ما رغب في أن يبقيه حيا في متحف لا يضمّ إلا أعمال الموتى من الفنانين.

كان عليه أن يفكر في موته، بمرثيته الشخصية التي كان محظوظا في اختيار مفرداتها بنفسه. وإذا كان المتحف يضمّ بين مقتنياته الثمينة عشرات اللوحات التي رسمها أبل في أوقات مختلفة من حياته، فإن غرفته وحدها تهبه صفة الفنان الحي الذي لن يغادر عالمنا أبدا. فما رسمه مباشرة على جدران تلك الغرفة، لا يذكر بعالمه الفني فحسب، بل وأيضا به شخصيا.

16