غرق طفل سوري.. صورة قاسية لواقع مرير

الخميس 2015/09/10

جمعت مأساة عبدالله الكردي، الذي حركت صورة طفله الغريق آيلان قلوب الملايين في بقاع الأرض، أشكالا وصنوفا من الأزمات التي يعاني منها الفرد في المجتمعات العربية. هرب عبدالله من ويلات الحرب مع تنظيم داعش المتطرف في بلدته كوباني في شمال سوريا، وذلك بعد أن تحولت أغلب أحياء المدينة إلى ركام بسبب الحرب مع تنظيم لا يمتـلك إلا مشروعا ظلاميا ولا يعرف إلا القتل والتدمير. فر عبدالله إلى تركيا ليجد نفسه وسط أكثر من مليوني سوري ضاقت بهم المدن التركية، ويعاني الكثير منهم للحصول على فرصة عمل، وتعاني معهم أسرهم من ظروف معيشية قاسية. حاول عبدالله الهجرة إلى كندا حيث تقيم شقيقته وتعمل منذ أكثر من 20 عاما وتحمل الجنسية الكندية، وعلى الرغم مـن ذلك رفضت السلطـات الكندية طلبه.

ضاقت الدنيا به وقرر أن يفر من تركيا إلى جزيرة “كوس” اليونانية التي لا تبعد سوى خمسة كيلومترات عن شاطئ تركيا. ظن عبدالله، كما ظن كثيرون غيره، أن عبور هذه المسافة القريبة في مياه المتوسط سينهي معاناته وسيضمن لطفليْه حياة أفضل في أوروبا. غير أنه وقع فريسة للمهربين، ووجد نفسه على قارب صغير متهالك يحمل عددا من اللاجئين يفوق قدرته، وسرعان ما تلاعبت به أمواج المتوسط، وقفز المهرب منه ليجد المهاجرون أنفسهم في عرض البحر بلا سند. فقد عبدالله طفليْه وزوجته غرقا أمام عينيه، وظل يصارع الأمواج حتى التقطه خفر السواحل التركي. وعاد بعدها إلى مدينة كوباني ليدفن طفليه وزوجته، بعد أن خرج من المدينة باحثا عن مستقبل أفضل لهم.

رحلة عبدالله من كوباني ثم إليها هي تعبير عن معاناته، مثله مثل الملايين في المجتمعات العربية، من العيش في مناطق فقيرة مهمشة، وهي مناطق بعيدة عن اهتمام أنظمة حكم ديكتاتورية تبحث عن مصالحها فقط، وحكومات عاجزة عن تقديم خدمات أو مساعدة حقيقية لسكان هذه المناطق، لكنها في ذات الوقت في قلب خلافات دينية وعرقية تعصف باستقرارها وتدمر نسيجها الاجتماعي.

إذا لم تتغير الأوضاع الحالية، لن تكون صورة الطفل الغريق آيلان هي آخر المشاهد الحزينة المؤلمة، ولن تتوقف قصة والده عبدالله عن التكرار

وإذا كانت هذه المناطق الفقيرة المهمشة هي الأكثر معاناة في المجتمعات العربية، فإن باقي المناطق تعاني من الأزمات والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بدرجات مختلفة. والنتيجة هي أن نسبة البطالة بين الشباب العربي هي الأعلى في العالم، وهناك شريحة غير قليلة من السكان تعيش تحت خط الفقر، وهناك أزمات سياسية واسعة نظرا لغياب التوافق على طرق نقل السلطة بشكل سلمي، والانقسام على أساس الدين أو الطائفة أو العرق. وهناك خلافات عميقة في المجتمع حول دور الدين في الدولة، وفوق كل هذا تنتشر جماعات إسلامية متطرفة لا تمتلك رؤية حقيقية لمواجهة أزمات المجتمع، وتوظف الطائفية لتعزيز نفوذها بين مؤيديها. وكل هذه الأزمات تعني فشل مشروع الدولة الوطنية في الكثير من الدول العربية، وتعني أن أغلب الدول العربية صارت إما دولا منهارة تعيش صراعا مسلحا، وإما دولا هشة معرضة لأزمات وانتكاسات أعمق مستقبلا، والقليل منها استطاع الحفاظ على تماسك نسيجه المجتمعي.

وفي الواقع فإن كل هذه الأزمات تعكس التخلف الحضاري الذي تعاني منه المجتمعات العربية عموما في الوقت الراهن، وهو ما جعلها فريسة لصراعات في الداخل، وأطماع من الخارج. كثيرا ما يحمّل البعض أزمات الدول العربية للصراع مع إسرائيل أو تدخلات إيران أو الضغوط من الغرب، لكن الواقع المرير هو أن المجتمعات العربية تعاني من الضعف والتخلف، خاصة التخلف العلمي والفكري والاقتصادي، بحيث أصبحت ساحة مفتوحة لتدخلات الدول الأقوى. وهنا يجب ألا نلوم الآخرين على إشعال الصراعات والأزمات بل يجب أن نعترف بعمق الأزمات التي تواجه المجتمعات العربية، وتهدد بانهيارها وتفسخها. يجب أن نرى أزمة التخلف الحضاري في الدول العربية، والتي جعلت للآخر سلطة على هذه الدول لأنه متفوق علميا واقتصاديا وعسكريا.

ولعل من أبرز مظاهر التخلف الحضاري، الحروب والصراعات المسلحة التي تفتك بعدة دول مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، والاتجاه لتقسيم وتفتيت الدول العربية على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي. والهجرة الجماعية لملايين الأفراد، خاصة الشباب، من الدول العربية، كما يحدث اليوم من هجرة جماعية من الدول التي بها صراعات مسلحة. ولو فتحت أبواب الهجرة على مصراعيْها، لهاجر الملايين من دول أخرى عربية أخرى تعاني من أزمات عميقة مثل مصر والسودان والجزائر، ويتزاحم شبابها في طوابير طويلة أمام أبواب السفارات الأجنبية.

وعلاوة على كل ما سبق تتسع الفجوة بين الدول العربية وبين العالم المتقدم، وتستمر الصراعات المسلحة عاما بعد عام بلا أفق واضح لنهايتها، وتظل الهجرة هي الحلم الوحيد للملايين من الشباب العرب، حتى لو كانت تكلفتها المخاطرة بحياة الفرد وأسرته. وهذا يعني أنه إذا لم تتغير الأوضاع الحالية، لن تكون صورة الطفل الغريق آيلان هي آخر المشاهد الحزينة المؤلمة، ولن تتوقف قصة والده عبدالله عن التكرار مع اختلاف التفاصيل.

كاتب مصري مقيم في لندن

9