غرناطة تطلق مشروعا شاملا لتجديد الفكر الديني عماده المعرفة والثقافة

السلم والتعايش في عالم ينشد المعرفة والثقافة كأدوات لمقاومة واقع التطرف والعنف، هدفان يطرحهما الجميع اليوم في سياق البحث عن عالم آخر ممكن. وقد طرح افتتاح المشروع العلمي والمعرفي الجديد “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” في جامعة غرناطة بالشراكة مع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، أركان المهمة المعرفية المناطة بعهدة المشروع، وهي توثيق أواصر التعاون والتلاقح الفكري والثقافي بين الشعوب.
الثلاثاء 2015/05/12
سياسيون ومثقفون من الضفتين لبحث آليات إحلال السلم والتسامح بين الأديان

مدريد- عرف حفل الإعلان عن افتتاح “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” حضور عدد كبير من شخصيات عالم الفكر والثقافة والبحث العلمي من أسبانيا والعالم العربي، كان على رأسهم كل من رئيس الوزراء الأسباني السابق خوسيه لويس ثباتيرو، ويونس قنديل رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث وفرانسيسكو لودييرو رئيس جامعة غرناطة.

نموذجان رائدان

جوهر التناقض في واقع العالم اليوم يكمن أساسا في استخدام الدين لتبرير الحرب في بقاع شتى من العالم. فكل الأديان تنكر العنف وتحرمه، في حين يسعى البعض إلى الدفع بنصوصه ـ زوراـ إلى أقصاها بتحريفها وتطويعها لغايات بشرية سياسية صرفة تتناقض مع الصبغة المتعالية والمقدسة لمفهوم الدين.

وهو ما أكده خوسيه لويس ثباتيرو رئيس وزراء أسبانيا الأسبق الذي أكد أن “التعصب الديني وجبت محاربته انطلاقا من الإيمان الديني ذاته”، مؤكدا أنه استخلص استنتاجاته من خلال الأحداث في تونس والمغرب بالأساس، وأعرب عن إعجابه بنموذجي البلدين في إدارة أزمة الإرهاب التي تعد خطرا على كامل دول العالم.

وأشار ثباتيرو إلى ضرورة رعاية أسبانيا “لكل اتفاق بينها وبين المغرب من شأنه أن يعزز التعايش”، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة تخصيص أسبانيا في خضم هذه الفترات التي تعرف تنامي تيار الإسلام الراديكالي، دعمها واهتمامها الكامل لتونس والمغرب. كما أكد في كلمته أيضا، أنّ “تونس هي البوابة والطريق الأساس″ لهذا الاتجاه، إذ أنها البلد الأول ذو الأغلبية الإسلامية الذي طوّر دستورا بخصائص ديمقراطية.

التطورات تؤكد أن الحاجة إلى توضيح الالتباس الذي خلقته الجماعات المتطرفة المسلحة ليست حاجة عربية إسلامية فقط، بل هي توق علمي وحضاري غربي أيضا

في حين أن المغرب بدوره، يخطو خطوات مهمة نحو ضمان حقوق الإنسان. ولذلك، فإنه ليس هناك بلد أفضل من أسبانيا لدعم بلدان المغرب العربي في هذا الاتجاه، وهو ما كان مدخلا لتثمين مشروع “كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” الذي تبنته جامعة غرناطة وبادرت به مؤسسة مؤمنون بلا حدود العلمية.

الإسلام مصدر التنوير

واتفق المتدخلون في حفل الافتتاح أن الهدف من إنشاء هذا الكرسي، في قلب جامعة غرناطة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى حوالي 5 قرون، لم يأت بمحض الصدفة، ولكن لأن سعي المؤسسين جاء ليتجه نحو إبراز القيم السامية للحضارة الإسلامية وإسهامها المتميز في مسيرة الحضارة الإنسانية، وفي تجديد الفكر الديني عامة والإسلامي خاصة، وفي إبراز التاريخ المشترك والقيم المشتركة بين الثقافتين الإسلامية والغربية، تعزيزا لقيم السلام والعدل والاعتدال والوسطية والتعايش والتسامح والحوار بين أتباع الأديان والثقافات على أساس الاحترام المتبادل وتعزيز المشترك الإنساني، والتي تعتبر أسبانيا أحد أبرز وأهم وجوهه وتجلياته تاريخيا وثقافيا.

ولعل أبرز أداة لمواجهة العنف والتطرف وتوظيف الدين في الحروب الطائفية والحسابات السياسية تتجسد في “البحث العلمي والثقافة والعلوم”، وهي وسائل إنسانية راقية وفعالة تعيد للإنسان طبيعته المسالمة والمنفتحة.

وهو ما أشار إليه يونس قنديل رئيس مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث حيث أكد في كلمته بأن “إنشاء كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني” مبادرة مهمة تنهل من معين العلم والاعتدال والوسطية والتلاقح الثقافي، ولذلك وجب استثمارها في بناء التعايش والتسامح والاعتراف بمشروعية الاختلاف، واستثماره في ترسيخ قيم التعدد الثقافي، وتغيير الصور النمطية المتبادلة بين الشعوب والثقافات، مشيراً إلى فضل الشرق في التأسيس للفكر الأوروبي والفلسفة الأوروبية، ومؤكدا أن الإسلام جزء من أوروبا بحكم تاريخه وموروثه وبحكم الواقع، مشددا على أن انفتاح الإسلام على العصر، يجعله حاضنة وخزانا روحيا يوجه الإنسان نحو السلم والمحبة والتعايش مع الآخرين.

آمال كبيرة

خوسيه لويس ثباتيرو: التعصب الديني وجبت محاربته انطلاقا من الإيمان الديني ذاته

وتؤكد التطورات أن الحاجة إلى توضيح الالتباس الذي خلقته الجماعات المتطرفة المسلحة ليست حاجة عربية إسلامية فقط، بل هي توق علمي وحضاري غربي أيضا، تريد من خلاله النخب الأوروبية إبراز التناقض بين الإسلام والجماعات الإسلامية.

ونوه رئيس جامعة غرناطة فرانسيسكو لودييرو في هذا السياق، بأهمية إنشاء كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني، لافتا الانتباه إلى أن “الجامعة تعقد عليه آمالا كبيرة في ربط الصلة بين المفكرين والأساتذة والباحثين والطلبة من الجامعات العربية والأوروبية لمدّ جسور التعاون العلمي ودراسة السبل الكفيلة بجعل الدين مؤسسا للتسامح والتعايش، وليس عنصرا للتفرقة والتصادم”.

وأشار لودييرو إلى أهمية اشتغال الكرسي على التعريف بالحضارة الإسلامية ودورها في تاريخ الأندلس وأسبانيا، ومؤكدا أن الكرسي يهدف إلى المساهمة في ترسيخ قيم وشروط التعاون والتضامن والتعايش السلمي بين الشعوب في إطار التنوع الديني والتعدد الثقافي، من خلال الحوار الديني والتجديد الفكري والدراسات العلمية الكفيلة بتجاوز أزمة الجهل بالآخر والتأسيس لتعارف مؤسس على المعرفة.

13