غرندايزر في عامه الأربعين ليس مجرد تسلية

الأحد 2015/07/12
دايسكي وهيكارو وأشرار فيغا والوزير زوريل عالم عاشته الأجيال

غرندايزر ليس مجرد مسلسل كرتوني عادي، فحين نقارنه بمسلسلات أخرى مثل جونكر أو خماسي أو رعد العملاق أو الرجل الحديدي وغيرها التي اعتمدت على فكرة في غاية البساطة: أشرار من الفضاء يريدون احتلال الأرض أو تخريبها، أو شرير يريد أن يحكم العالم، ويبدأ المسلسل من الحلقة الأولى مباشرة على مواجهة آلات متماثلة والانتصار عليها، وتنتهي الحلقة الأخيرة بالانتصار على زعيم الغزاة أو كبير الأشرار وتنتهي القصة.

جو ناغاي مبتكر غرندايزر

في غرندايزر تأتي المعالجة مختلفة وإن اعتمدت على نفس الفكرة، فالقصة أكثر تعقيداً لدرجة يمكن تصنيفها كعمل روائي ثري بإسقاطاته الثقافية والواقعية، يقول جو ناغاي مبتكر غرندايزر إنه أراد التأكيد على أنه “من الممكن للإنسان والآلة أن يعملا معاً”، لكنني أعتقد أن رسالة غرندايزر، سواء عن قصد أو دون قصد، جاءت أكثر بلاغة مما تصور ناغاي نفسه وهو من قال “إن عالم القصص المصورة والكارتون يقود إلى إيجاد أجواء من التفاهم بين الشعوب ويسهم في تخطي حواجز اللغة والثقافة بين الحضارات”.

لا يمكن فهم غرندايزر إلا بالعودة إلى ابتكار ناغاي السابق، “مازنجر”، والذي قام ببطولته كوجي كابوتو الذي أصبح، لاحقاً، الساعد الأيمن والأرضي لـدوق فليد في غرنداير، فـ”أبو الغضب” العالم المرموق في مازنجر، يكتشف في إحدى بعثاته العلمية جيشاً من الرجال الآليين يمكن التحكم فيهم عن بعد ويقوم بإصلاحهم وتطويرهم والسيطرة عليهم، ثم القضاء على كافة أعضاء البعثة إلا جد كابوتو الذي هرب ليبتكر الآلة مازنجر لمواجهة طموحات أبي الغضب في السيطرة على العالم، ولكن لحسن الحظ لا يغتال أبو الغضب كابوتو الجد إلا بعد إتمام اختراعه الجديد الذي ورثة كوجي الحفيد ليقوم بالمهمة الإنسانية التي أوصاه بها جده.

غرندايزر الآلة الإنسان

يبدو لي أن ناغاي قدم غرندايزر استثمارا لنجاح مازنجر، لكنه في نفس الوقت قدمه اعتذاراً عن مفاهيم وأفكار، وجد ضرورة تصحيحها في ابتكاره الجديد، فـمازنجر يكاد يقترب من الكمال، لا يقع في الورطة أو المأزق إلا لسوء تصرف قائده أو بسبب شريكته فاتن التي تقود الآلة أفروديت أو بسبب خدعة متقنة قام بها أبو الغضب.

قيمة المساواة تظهر في فريق غرندايزر القتالي، فنصفه من الرجال، ونصفه الآخر من النساء، ومعها يأتي تقدير أكبر للإنسان، فكل الفريق من البشر، وإن كان نصفهم أرضي، ونصفهم الآخر من فليد، فكل هذه الآلات لم تكن محور البطولة، بل كان الإنسان نفسه

في غرندايزر تأتي المقاربة من زاوية أكثر واقعية، ويبدو غرندايزر، وهو الآلة، رغم قواه الخارقة والفتاكة بشرياً في بعض المواقف والخصائص، فهو لا يعمل إلا ببطله دوق فليد، وربما يقتل أيّ شخص آخر يحاول الاقتراب منه باستثناء ماريا شقيقة البطل، وكأن مشاعر الولاء قد تقمصت هذه الآلة، وأصبحت تميز شخصيتها بين الآلات، كما أن غرندايزر في أبسط نقاط ضعفه يمكن تصفيته والقضاء عليه سواء في التحامه أو انفصاله عن صحنه الطائر دايزر، أو في أعماق البحر حيث يفقد نصف قوته، أو في باطن الأرض خلال عجزه التام.

أزعم أن ناغاي أراد في غرندايزر الاعتذار عن صورة المرأة السلبية العبء والعالة في مازنجز مجسدة في فاتن؛ بشخصيتين في غرندايزر تمثلتا في هيكارو ابنة دامبي صاحب مزرعة البتول الأبيض، وشخصية ماريا شقيقة دوق فليد. فهيكارو الفتاة القروية المترددة والمنهمكة في الرعي والزراعة وطاعة والدها تتمرد على نفسها وتصر على المشاركة في الدفاع عن الأرض، وحين يحاول دوق فليد ثنيها عن الخطر ترد عليه “أريد أن تكون هناك قيمة لحياتي”!، وتأتي ماريا في المقابل الفتاة العصرية والقوية ولكنها في نفس الوقت تبقي أنوثتها جزءا أصيلاً في تكوينها، وكأن ناغاي أراد أن يعتذر، مرة أخرى، عن ربطه بين الأنوثة والضعف في مازنجر عبر الربط بين الأنوثة والقوة في غرندايزر.

لم يتوان ناغاي عن توجيه التفاتة إيجابية إلى الطفل، فنبيل شقيق كبوتو في مازنجر بدا من نقاط ضعف البطل، في حين أتى غورو شقيق هيكارو صاحب حضور فعال في حلقات غرندايزر، إن باكتشافه تسلل وحوش فيغا في حلقة النمل المتوحش أو تأنيبه لأحد جنود فيغا بسبب ذبح حمامة، وفي الحقيقة كان حضور غورو إيجابياً في ترسيخ العلاقة التكاملية والإيجابية بين الإنسان والحيوان، وكمل هذه الصورة المسن دامبي ، على العكس تماماً من مازنجر.

دامبي الذي بدا محافظاً ومتمسكاً بقيم القرية والعائلة، وابنته التي تحاول أن تتمرد بحدود على هذه السلطة، ولاحقاً ماريا التي شكلت كل تحرر عن هذه السلطة، وبصورة إيجابية، بدا ناغاي متصالحاً مع كل هذه النماذج ومتفهماً لها، ولعله أراد أن يخلق من كل هذه التناقضات نموذجاً للتعايش والتكامل لا نموذجاً للصراع، على العكس من مازنجر الذي بدا فقيراً في تشابك وتمازج العلاقات الإنسانية والمجتمعية.

ماذا عن كوجي كوبوتو الذي بدا أرعن وغضوباً نوعاً ما في مازنجر؟ استبدل ناغاي الرعونة بالاندفاع وحافظ على صفة الغضب، وأضفى مزيداً من الحساسية على شخصية كوجي التي تظهر في مواجهة حرص دوق فليد على الاستئثار بمقاتلة فيغا بالحلقات الأولى، فقط، ثم التألم من إعجاب هيكارو بدوق فليد في الحلقات الوسطى، ثم حبه الجارف والفوار لماريا في النهايات مع إدراكه تماما أنها يوما ستغادر إلى كوكبها فليد.

البطل دايسكي يمثّل تحيّة فريدة للإنسان

دايسكي دوق فليد

أما البطل دايسكي، الاسم الأرضي لدوق فليد، فيمثّل تحيّة فريدة للإنسان، فهو يدافع عن كوكب الأرض ليس من باب الثأر وحده بعد أن قتل جيش فيغا والديه ودمر كوكبه فليد، بل إن الدافع الأساس لمحاربة فيغا تمثل في الدفاع عن أهل الأرض “الطيبين” ومنهم ومن آواه وعالجه وآزره بعد أن صار طريداً ومشرداً.

وفي مناطق أخرى يقول دوق فليد معززا قيمة المحافظة على البيئة “أحب هذه الأرض، لأنها خضراء”، ومع أنه بطل الدفاع عن الأرض، يصر دوق فليد على العمل في المزرعة بكل جد وبشكل اعتيادي عاكساً قيمتين أصيلتين: قيمة العمل وقيمة التواضع. ماذا عن تحفظه أحياناً وانطوائيته في أحيان أخرى؟ لقد بدا ذلك لأنه غريب ومنفي، إنه يشتاق إلى كوكبه الوطن، ويحب وطنه الكوكب.

دوق فليد ليس خالياً من المشاعر، وإعراضه عن هيكارو كان مبرراً حين نعرف في نهاية الحلقات أن حبه الأثير والوحيد كان، ولا يزال، لروبينا، ابنة فيغا التي كان سيتزوجها في السابق، كما أن الدوق أحب في إحدى الحلقات ماينا وهي من مواطنات فليد التي جنّدها فيغا لاغتياله، ويستطيع المشاهد أن يتلمس أن عاطفة الدوق تجاه ماينا كانت بالدرجة الأولى حنينا لفليد الكوكب وذكرياته فيه لا أكثر ولا أقل!

لقد تألم دوق فليد كثيراً، تألم لأن كوجي لم يفهمه في البداية، كان يريد إبعاده عن الخطر كخط دفاع ثان عن الأرض، وتألم أكثر على الأرض نفسها التي عاث جنود فيغا فيها قتلًا وتدميراً، كما تألم لوفاة ماينا ومن قبلها الأميرة ميناو ثم مقتل حبيبته روبينا ابنة فيغا، الحدث المحرض لذرف الدموع تضامنا وتعاطفا مع دايسكي، هذا دون إغفال ألمه الأساس، ألم النفي والاحتلال واغتيال الوطن والغدر بالأب والأم.

لم يمثل دايسكي احتقاراً للإنسان، لأنه كان إنساناً، ولكنه، فقط، لم يكن أرضياً، وخصائصه الخارقة اكتسبها بحكم طبيعة الكوكب الذي جاء منه أو بفضل تطور العلم في ذلك الكوكب، وربما جاء يوم يصل فيه إنسان الأرض إلى خصائص دايسكي وقدراته.

وحتى تلك الخصائص والقدرات ما كان لها أن تكون ذات جدوى، لولا أهل الأرض الذين احتضنوه وعالجوا نقاط ضعف آلته بابتكار آلات أخرى إن استغنى عنها غرندايزر فإن مصيره الهلاك، وهنا نلتفت إلى قيمة المساواة في فريق غرندايزر القتالي، فنصفه من الرجال، ونصفه الآخر من النساء، ثم نأتي إلى تقدير أكبر للإنسان، فكل الفريق من البشر، وإن كان نصفهم أرضيا، ونصفهم الآخر من فليد، وكل هذه الآلات لم تكن محور البطولة، بل كان الإنسان نفسه.

أهل كوكب الأرض

آمون الذي تبنى دايسكي في كوكب الأرض، كان شخصية لافتة، سواء باتزانه أو إخلاصه وحنانه على الدوق، ودوره الأساسي جاء معبرا عن ضمير الإنسان وضمير العلم، لقد تردد آمون كثيرا في تحويل مركز أبحاث الفضاء إلى قاعدة قتالية في مواجهة جيوش فيغا، لأن المركز تأسس “للنهضة بعلوم الفضاء وتنميته”، وهو في ذروة حروبه مع فيغا كان يرسل مكوكاً فضائياً علمياً لاستكشاف الفضاء، أو يدفع غرندايزر للقيام بعملية تمويه حتى يمكّن كوجي من التقاط مادة فضائية مجهولة لدراستها، وهنا أتساءل، هل أراد ناغاي توجيه التحية للرئيس الأميركي إبراهام لنكون الذي أسس أكاديمية علوم المعرفة في ذروة الحرب الأهلية؟ ربما.

غرندايزر يبدو، وهو الآلة ذات القوى الخارقة والفتاكة، بشريا في بعض المواقف والخصائص، فهو لا يعمل إلا ببطله دوق فليد، وربما يقتل أي شخص آخر يحاول الاقتراب منه باستثناء ماريا شقيقة البطل، وكأن مشاعر الولاء قد تقمصت هذه الآلة وأصبحت مميز شخصيتها بين الآلات

ورغم هذه التحية المبطنة، إلا أن الولايات المتحدة حضرت بصورة سلبية في غرندايزر عبر انفجارات “المشروم” المتكررة في الصراع بين غرندايزر ووحوش فيغا كنوع من الاستدعاء لحوادث هيروشيما وناغازاكي، أو تنكر أحد رجال فيغا في صورة عالم أميركي يريد اغتيال دوق فليد.

ماذا عن فيغا ورجاله؟ كم كان فيغا لافتاً حين أخفى في ثنايا هذه الشخصيات الشريرة لمحات من الخير والعواطف مؤكداً على استحالة الشر المطلق والخير المطلق، هل شاهدت الوزير زوريل وهو يبكي على مقتل ابنه في الصراع مع دوق فليد؟

وهل شاهدت زوريل الصغير مقاتلًا في سبيل إنقاذ والده لا قتال الأرض وأهلها؟ وهل شاهدت فيغا متألماً على وفاة ابنته؟ وهل شاهدت القائد غندال ناقما على السيدة غندال بسبب خيانتها لفيغا؟ هل شاهدت عالم الزلازل الذي تألم بسبب استغلال أبحاثه في تدمير الأرض؟

فيغا عدو الشعوب

في غرندايزر كانت منظومة الخير التي يعبر عنها دوق فليد ورفاقه لا تقتصر فقط على البعد العسكري، بل تتعداه إلى القيم الأخلاقية والثقافية بحثاً عن العدل والحق وحسن الخلق والحرية والأمن، كذلك الأمر في منظومة الشر، التي حذّرت بالنتيجة من مغبة الأنانية والظلم وأحادية الرأي والخيانة، مع التأكيد على إدانة السلوكيات المرفوضة كاستغلال الأطفال وترويع الآمنين واستخدامهم كرهائن.

إن صراع فيغا من الأصل لم يكن عبثياً، إنه يبحث عن مصادر جديدة للطاقة التي نضبت في إمبراطورتيه بسبب الإسراف وتطور العلم إلى درجة الطغيان على الإنسان وقيمه، لمن كان يتوجه فيغا بهذه الرسالة؟ إن ناغاي يكرس رسالة العلم في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمة العلم، والتقابل بين ارتباط العلم بالخير وارتباطه بالشر. ولم تخل الحلقات من التثقيف العلمي، كحلقة كسوف الشمس.
غرندايزر ثري بالرسائل الثقافية والواقعية

كلما أعدت مشاهدة غرندايزر وجدته ثريا بالرسائل الثقافية والواقعية، ألم يقل كوجي أول ما شاهد يوفو “نريد التجارة مع أهل الفضاء”؟ ألم يكن غياب الدولة عن غرندايزر لافتاً؟

غياب الدولة وعالم العرب

ختاماً، ألفت النظر إلى اللغة العربية الرفيعة والسليمة التي دبلج بها المسلسل، والتي كانت سمة غالبة لمسلسلات الكرتون في ذلك الوقت ونفتقدها اليوم بوضوح، وأجد أنه من الضروري أن نتأمل ما قاله جهاد الأطرش حين سأله الصحافي فيصل عباس عن سبب نجاح غرندايزر في العالم العربي “أعتقد أن العمل جاء سابقاً لوقته، وأتذكر أن اليابانيين كانوا فخورين جداً به لدى إنجازه.

وما أعنيه بأن العمل جاء سابقا لوقته هو الإتقان الشديد الذي نفذ به على الرغم من تواضع الإمكانات التي كانت متاحة مقارنة باليوم. فالعمل كان إنتاجا ضخما بكل المعايير، فجاء متقناً من كل النواحي، سواء الرسم أو القصة والخيال الذي تحتويه، أو حتى الموسيقى، والأغنية التي أداها الفنان سامي كلارك، ويرددها كثيرون حتى اليوم.

وهناك عامل آخر لا بد من التطرق إليه، وهو الوقت الذي طرح فيه غرندايزر، ففي تلك الفترة كنا نعيش حرباً في لبنان، وكان العالم العربي بأسره يتألم لاحتلال الأراضي الفلسطينية، فأتى غرندايزر بما يمثله من قيم تتحدث عن حب السلام والدفاع عن الأرض والتصدي للأعداء، أعتقد أنه كان لذلك أثر في إثارة الأحاسيس الوطنية”.

وبتأمل الظروف التي أشار لها الأطرش، سنجد أن الأوضاع تنحدر من سيئ إلى أسوأ، ولا مجال لنا إلا النداء والاستغاثة “هيا طر يا غرندايزر”.

9