غريزمان المتقاعس تحت الحصار

على "غزيرو" أن يكون أكثر اجتهادا ومثابرة، عليه أن يتحلّى بالكاريزما وقوة الشخصية، عليه أن يكون أكثر تواصلا مع بقية زملائه واقترابا منهم، علّه ينجح ويفلح ويستثمر موهبته الفذة خدمة لمنتخب بلاده.
الخميس 2018/06/28
غريزمان أمام الاختبار الأصعب

لا أحد قادرا على التكهّن بشكل دقيق بمن سيفوز باللقب العالمي، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بمن سيخرج مبكّرا من بين المرشحين الأوائل، من الصعب أيضا التوقع باسم اللاعب الذي سينهي المونديال في صدارة الهدافين خلال هذه البطولة في ظل اشتداد المنافسة بين عدد من الهدافين الرائعين الذين سجل بعضهم أربعة أهداف وأكثر.

لكن من الممكن التكهن بفشل بعض اللاعبين الذين كانت بدايتهم متواضعة للغاية في هذا المونديال الروسي، فلاعب مثل ماسكيرانو كان الحلقة الأضعف في المنتخب الأرجنتيني وفور نهاية مغادرة منتخب بلاده المونديالية سيعلن الاعتزال، ولاعب مثل ليفاندوفسكي مرّ بجانب الحدث وكان مستواه ضعيفا للغاية تماما مثل منتخب بلاده بولندا.

غير أن الطريف في هذه المسألة يتعلق بأداء الفرنسي أنطوان غريزمان في ثلاث مباريات متتالية ضمن الدور الأول، فهذا المهاجم الذي يسمّى بـ”السلاح الفتاك” مع فريقه الإسباني أتليتكو مدريد، ملأ الدنيا وشغل الناس كثيرا قبيل المونديال عندما ارتبط اسمه بشدة بفريق برشلونة، كان مستواه ضعيفا ومتواضعا للغاية ولم يقدر على أن يرتقي إلى مصاف نجوم المونديال.

المسألة الأهم التي تدعو إلى الغرابة أن المنتخب الفرنسي أمّن تأهله إلى الدور الموالي دون أن يخسر في المباريات الثلاث، لقد حقق الفوز في مباراتين وتعادل في اللقاء الأخير، لكن في مجمل هذه المواجهات كان غريزيمان بعيدا تماما عن الأداء الرفيع الذي يمنحه الأحقية والشرعية كي يكون “أيقونة” منتخب “الديكة”، لقد خيّب الآمال إلى حد اللحظة، بل كان من أبرز نقاط ضعف المنتخب الفرنسي الذي اكتفى بتسجيل ثلاثة أهداف فقط، كان نصيب غريزمان منها هدف يتيم من ركلة جزاء.

لقد صبرت وسائل الإعلام الفرنسية على هذا اللاعب، حاولت التغاضي عن تواضع مردوده وغياب توهجه في المباريات الأولى للمنتخب الفرنسي، لم تشأ أن تربك معسكر “الديكة” مادامت الأمور تسير على ما يرام، بما أن هذا المنتخب تأهل مبكرا منذ المباراة الثانية وحافظ على مركز الصدارة.

لكن المباراة الأخيرة ضد المنتخب الدنماركي، أثارت الجدل ودفعت وسائل الإعلام الفرنسية إلى تسليط الضوء على الأداء الباهت والحضور الخافت لنجم توقع كل الفرنسيين بأن يكون “محاربا شرسا” وهدافا رائعا في المونديال لكنه أخفق بشكل ذريع، لقد رأوا فيه “الخليفة الشرعي” لزين الدين زيدان كي يحوّل “الديكة” إلى “نسور جارحة” تحلق عاليا في عنان السماء وتنافس بكل قوة على انتزاع النجمة المونديالية الثانية، بيد أن كل المؤشرات الأولية تؤكد بأن “غريزو” لا يعدو أن يكون سوى مهاجم متقاعس ومتخاذل ليس بمقدوره أن يكون في مرتبة “آلهة” الكرة.

بل هو لاعب تحركه أحيانا الفطرة والغريزة التهديفية التي ميزته سابقا، فينجح في بعض المباريات ويقدم أفضل ما لديه، لكن في أحيان أخرى تتعطل الغريزة، وتغيب الفطرة وتنعدم الموهبة ليغدو لاعبا عاديا يركض مع الراكضين ويغيب في زحمة الأقدام وينهي المباريات بلا أي أثر ولا أي بصمة.

هذا ما حصل في المباراة الأخيرة ضد الدنمارك، لقد كانت مشاركته صورية وكأنه لم يلعب، الأمر الذي دفع بإحدى الصحف الفرنسية المتخصصة إلى منحه علامة ثلاثة من عشرة، فكان أسوأ لاعب فرنسي في تلك المواجهة.

ربما يعود هذا اللاعب المزاجي في أغلب الأحيان على أن يتكئ على زملائه في فريقه الإسباني، كان في عدة مباريات يجنح إلى بذل أقل مجهود، فيختفي طويلا قبل أن “ينفجر” أحيانا ويسجل الهدف تلو الأخر منهيا جهود بقية زملائه.

لكن في بطولة كونية لا ترضى بالتقاعس والكسل، على “غزيرو” أن يكون أكثر اجتهادا ومثابرة، عليه أن يتحلّى بالكاريزما وقوة الشخصية، عليه أن يكون أكثر تواصلا مع بقية زملائه واقترابا منهم، علّه ينجح ويفلح ويستثمر موهبته الفذة خدمة لمنتخب بلاده.

السبت سيكون الاختبار الأهم والأصعب، ففي الدور ثمن النهائي حيث لا مجال للتعويض سيواجه غريزمان مع منتخب بلاده الأرجنتين، حينها فقط ستكون أمام هذا اللاعب فرصة الرد واستعادة الاعتبار، لكن في مواجهة “كتيبة” متحمسة للغاية يقودها المجتهد دوما ميسي، يتعيّن على “غريزو” أن يتحلّى بالتواضع ويتخلّى عن التقاعس وكل عاداته السيئة كي يفلت من الحصار.

21