غريزمان لم يراجع التاريخ

في السابق جاء زلاتان إبراهيموفيتش نجما لا يقارع، لكنه غادر سريعا، غادر لأنه أدرك أنه أخطأ العنوان ولم يجد ذلك الأمان.
الأحد 2019/11/17
لا نجومية مطلقة

ثمة حكمة انتشرت في السابق تقول إن “من أضاع خطاه فقد هواه”، وأصل هذه الحكمة يفيد بأن من يخرج من نعيمه قد يندم ويخسر كل شيء.

ثمة قصة قديمة تتحدث عن أمير حظي بمكانة رفيعة في بلده، كان مؤهلا كي يحكم تلك البلاد بعد أن يشتد عوده، كانت لديه “حبيبة” تنتظر بفارغ الصبر موعد زفافهما، لكن آثر ركوب البحار والبحث عن أفق أكثر رحابة، لكن في نهاية المطاف، فقد كل شيء.

تعذّب وتعب كثيرا ولم يجد أي وطن آخر يحتضنه، عاد إلى بلده مثقلا بالأوجاع، طالبا الصفح والعفو آملا في أن يستعيد حظوته المفقودة، بيد أنه لم يجد مكانه السابق، ولم يعد ذلك الأمير المبجل، خسر أيضا “حبيبته السابقة” التي زفت لملك جديد.

هي بعض تفاصيل من حكاية جادت بها الأزمنة الغابرة، لكن قد تصح على وقتنا الراهن، قد تنطبق في أغلب فصولها على حكاياتنا وقصصنا المعاصرة، قد تنسجم أيضا مع تجارب عدد من اللاعبين ذائعي الصيت في عالم النجومية.

هي قصة قد تتماهى مع ما يعيشه اليوم النجم الفرنسي أنطوان غريزمان في تجربته مع برشلونة، وهي تجربة بدأت بصعوبات جمة بسبب المطبّات التي اعترضت سبيل هذا اللاعب.

خلال السنوات الماضية سطع نجم غريزمان مع أتلتيكو مدريد الإسباني الذي ساهم في وضعه ضمن مكان تحت الضوء بعد أن اكتشف موهبته الفذة في تجربته الإسبانية الأولى في فريق ريال سوسييداد.

لم ينتظر أنطوان كثيرا كي يفرض نفسه نجم النجوم في أتلتيكو وساهم بقسط وافر في تحسن نتائجه وارتقائه إلى مزاحمة كبار إسبانيا، وخصوصا الريال وبرشلونة.

تعاظمت سطوة اللاعب الفرنسي في فريقه وبات الأكثر تأثيرا صلبه، كان بمثابة “القديس” الذي لا يجب المساس بهيبته، كان الجميع هناك مستعدا لتشييد تمثال له.

كانت فكرة التفريط فيه غير مطروحة بالمرة، بل إن التفكير في مفاوضته أو محاولة التعاقد معه بمثابة التعدي على الفريق بأكمله.

لكن غريزمان كان مثل ذلك الأمير الذي رفض الوطن وانتفض على واقعه حتى وإن كان يعيش في الجنة، فأنطوان فكر وقدر ثم قرر الرحيل إلى برشلونة.

باغت الجميع وفضل اتباع مسلك جديد، خيّر أن يبدل خطاه علّه يعثر على هوى جديد، لكن كل المؤشرات الأولية تبدو مخيبة ومحبطة.

فاللاعب الفرنسي وجد صعوبات جمة مع برشلونة، لم يقدر على الانسجام ضمن المنظومة التي يتحكم في كل تفاصيلها وكافة خيوطها النجم الأسطوري ليونيل ميسي.

ظل تائها في أغلب المباريات، ولم يقدم بعد الإضافة المرجوة من لاعب دفع برشلونة من أجله 120 مليون يورو للظفر بتوقيعه.

أنطوان بدا بعيدا تماما عن ذلك المستوى الذي بوأه مكانة رفيعة مع أتلتيكو مدريد، فتحول من النجم الأول إلى لاعب يعيش خلف توهج ميسي.

من شبه المؤكد أن معاناة الفرنسي قد تتواصل طيلة هذا الموسم، ولا أمل له كي يحقق النجاح المنشود سوى برحيل لويس سواريز ذلك اللاعب الذي أظهر انسجاما استثنائيا مع ليو.

لكن حاليا من الصعب أن تتغير المعادلة سريعا، ومن الصعب للغاية أن يرحل سواريز عن برشلونة قريبا، لأن الأخير يعلم جيدا أن تغيير “الملاذ الآمن” يؤدي حتما إلى الهلاك والنهاية.

قصة أنطوان الحالية هي أشبه بقصة نيمار، والقاسم المشترك بينهما هو المرور من بوابة برشلونة. فالأول ضحى بنعيم كتالونيا ومتعة اللعب مع ميسي والمراهنة على الألقاب كل موسم لأجل هدف غير واضح المعالم، فخرج غير مأسوف عليه من “جنة” الكامب نو.

أما الثاني فقد ضحى بكل رصيده ونجوميته مع أتلتيكو وغيّر بوصلته صوب ميناء برشلونة، لكنه ما زال يصارع الأمواج، ما زال في قلب العاصفة، لم يعثر بعد على مقام هانئ يعيد له ولو مؤقتا بعض الأمان المفقود بعد أن خسر كل ماضيه ومحبيه في مدريد.

كان على أنطوان أن يراجع قليلا كتب التاريخ، كان يتوجب عليه أن يقلب دفاتر الماضي القريب والبعيد، ففريق برشلونة لا يوفر دوما العيش الرغيد، والبارسا أيضا لا يعترف إلا بمن يتماشى ويتماهى مع ميسي.

في السابق جاء زلاتان إبراهيموفيتش نجما لا يقارع، لكنه غادر سريعا، غادر لأنه أدرك أنه أخطأ العنوان ولم يجد ذلك الأمان.

سنوات بعد ذلك خاصم البرازيلي كوتينيو الجميع في ليفربول وعاند رغبات أنصاره وإدارة النادي ومدربه، تعنّت كثيرا إذ لم يفكر سوى في الرحيل صوب برشلونة، لكن ليته لم يفعل فقد “عانق” الفشل ولم يحقق المراد، ليرحل بدوره سريعا.

اليوم لن يكون من خيار أمام غريزمان سوى الاستكانة أمام سلطان ميسي، والتنازل عن فكرة النجومية المطلقة علّه يظفر بمكان دافئ لكن بعيدا قليلا عن الأضواء.

23