غريغوار دولاكور والبحث عن بقعة ضوء

الأحد 2014/09/07
غريغوار دولاكور نجح في تقمص الشخصية الأنثوية بطريقة رائعة

على غير العادة المتبعة مِن الروائيين الذين يقولون آخر كلمة، ويتنحون جانبًا تاركين المجال للمتلقي ليفتحَ أفق التوقعات من خلال الربط بين الفضاء النَّصي ومساحة البياض التي يتركها السَّارد، يَستدعي المؤلف الفرنسي غريغوار دولاكور القارئ في روايته «لائحة رغباتي» الصّادرة عن المركز الثقافي العربي 2014 بترجمة معن عاقل، بل يدخل معه في حوارٍ، كاشفًا معه شفرات النّص، وآليات الكتابة، من خلال الملحق الذي يثبته في آخر النص، ذاكرًا فيه دواعي الكتابة «لماذا أكتب؟".

يقدّم لنا الكاتب الهدف من حكايته التي يجعل فيها مصير شخصياته مرهونًا بلعبة الحظ والقدر، وعندما تتحقَّق الأُمنية التي راودهم طيفها، يعبث بهم القدر من جديد، فقد تبدّلت الحياة بهم، ولم يضف لهم المال والسّعادة التي كانوا يبتغوها شيئًا، بل مع الأسف وقفوا في المنطقة الوسطى، لا حقّقوا أحلامهم التي رسموها وهم في حياتهم الأولى، قبل أن تتبدّل بفعل القدر أو الحظ، ولا ظفروا بما رسموه في أخيلتهم، قبل أن يأتيهم المال.


طريق السعادة


العجيب أن المؤلف لا يكتفي بذكر هدفه من كتابة النص، بل يتحدّث في حوار مفتوح مع القرّاء سواء الحقيقيين الذين التقاهم فيما بعد، أو القارئ الضمني، عن مُحفزات الكتابة، وآلياتها، فيذكر كيف أنه اتّخذ من الحنين إلى الأم وسيلة لكتابة نصه، فيقول «كتبتُ هذا الكتاب لأني أحنّ إلى أمي. ومع أنّها لم تكن قط بائعة في حانوت أدوات خياطة، لكنها كانت تحيك (كذا). أتذكّر الأقنعة القطنية التي كانت تنسدل على عينيّ، أو تُشدّ كجورب، والكنزات الصوفيّة التي كانت أكمامها أطول مما ينبغي، وفي المرة التالية أقصر مما ينبغي، كانت أمي تحاول أن تجاري سرعة تغير مقاس جسدي، وكنت أعرف أن هذه الملابس تساعدها وتواسيها. وفي ما بعد، عندما رحلت بعد سنوات تمنيت بقاءها».

الحقيقة أنه استطاع بنصه أن يتجاوز الأم والشعور بالحنين إليها، إلى تقديم نص يَغْلُب عليه الإطار الفلسفي والرؤية العميقة لجوهر الأشياء التي لا يعتد بظاهرها، ويطرح رؤية عميقة، تتمثل في أن السعادة قد تكون بين أيدينا وفي الأشياء البسيطة التي نتحوّل عنها للبحث عن رغبات في خيالنا، قد تجلب لنا التعاسة عندما نسلك الطريق إليها، بل غالبا ما نفقد ما كنا نملكه من سعادة، كما أن الإنسان يستطيع أن يخلق الجمال لذاته بأشياء بسيطة، كأن ينظر إلى النقطة المضيئة في حياته، حتى ولو لم تسترع الآخرين، أو يشارك الناس مشاكلهم، ويعمل على تقديم حلول لها أو حتى مجرد الاستماع إلى شكاوى الناس فقط، على نحو ما فعلت جوسلين بطلة الرواية في مدونتها «الأصابع العشرة الذهبية»، التي كانت تعرض من خلالها مصنوعاتها من القماش والمنسوجات، وأيضًا نافذتها لتتجاوز حالة البرودة التي تعيشها مع زوجها، الذي يقضي وقته أمام التلفاز ويتركها تنام وحيدة.

يقدّم الكاتب عبر حكاية بطلته جوسلين ذات السبعة والأربعين عامًا، حكاية توجز صراع الإنسان بين واقعه ورغباته، والأسف في النهاية يصل إلى قناعة مهمة، تتمثّل في أنه مع رفض هذا الإنسان لواقعه وتمرده عليه بكافة الحيل، إلا أنه لا يصل إلى ما يصبوا إليه، والأغرب أنه إذا أتيحت الفرصة لتحقيق الرغبات يفعلها الإنسان دون سعادة، كما كان يمنّي نفسه أثناء تخيلها. والحقيقة الأهمّ التي يُقدمها، والتي ليست غائبة على أحد، وإنما يقدمها الكاتب في إطار الآثار التي ظهرت عقب الفوز باليانصيب، وتبدّل الآخرين معها بعد رؤيتهم للمال في حوزتها، ومفادها أن كثيرًا من الأشياء لا تتحقّق بالمال، بل يكمُن الجمال فيها في حالة التمني والرغبة.

الرواية تهتم بطرح فلسفة عميقة على لسان البطلة

تتردد عبارات كثيرة أشبه بمسلمات يُقدّمها المؤلف، ويؤكّد عليها كقيم حياتية، يسعى إلى بثّها في إطار الدور الذي يسعى إليه، كما ذكر بنفسه «يمكن لكِتاب أنْ يغيِّر شذرات من حياة، أو أجزاء من عبارات، أو أن يفضي إلى ارتياد دروب غير مطروقة»، فيضحى الإيمان بهذه المقولات أفضل من التشبث بهدف الحياة المادي، كما يكمن الحب في «الفهم»، حتى ولو كانت العبارة ذاتها تحويرا لعبارة فرانسوا ساجان، أو من قبيل «كنت أعرف أن هذه النقود يمكن أن تفيدني، لكنها يمكن أن تؤذيني أيضًا»، وهذه التأكيدات تبدأ مبكرًا منذ التصدير الذي صدَّر به نصه عن فرانسواز لوروا قائلاً: «مع أننا نُكابد جميع الأحزان، ونختبر جميع الأحزان؛ لكن ليس أمامنا إلا التقدُّم، إلا الحب".


النص المفتوح


لا تنشغلُ الرواية بالإطار الداخلي لحكاية البطلة «جوسلين غيربيت» وأحلامها المبتورة منذ أن كانت فتاة في العشرين من عمرها، وحلمها في أن تُصبح كاتبة، وأن تذهب إلى باريس لمتابعة دراستها لكن مرض والدها حَال بينها وبين تحقيق رغبتها، فقبلت أن تعمل في محل للخياطة، دون أن تتخلّى عن مراودة الكثير من الأحلام في خيالها، حتى ولو ضَاعَ منها الكثير، كالظفر بالقبلة الأولى من «فابيان ديروم»، وهي في الخامسة من عمرها، أو أن يدس مراقصها يده في صدرها الناهد، بعد رقصتهما على نغمات «الصيف الهندي».

العجيب أنها تتقاسم مع زوجها جو الأحلام، فرغم كونه عاملاً بسيطا في مصنع، إلا أن لديه أحلامه العريضة، فهو يحلُم بشاشة تليفزيون مسطحة، وسيارة بورش، وساعة سايكو، ومجموعة كاملة من أفلام جيمس بوند موضوعة على دي في دي ويحلم بامرأة أجمل وأكثر شبابًا مِن زوجته، وإن لم يُصرِّح بذلك.

رغم هذا القاسم المشترك بينهما، إلا أن ما يفرقهما أكثر فهو لا يجيد الكلمات الرومانسية أو حتى الأحاديث الطويلة، بل يميل إلى الاختصار في كل شيء، أما هي فمغرمة بالكلمات والجمل الطويلة، وتحب الكتابة والكتب «في الكتب فقط يمكن للمرء أن يغيّر حياته، يمكنه أن يمحو كل شيء بكلمة، أن يختفي وزن الأشياء، أن يمسح الدناءات وأن يلغي نفسه فجأة في أقصى العالم».

أما هو فلم يقرأ كتابًا، ويقضي معظم وقته في المساء أمام التلفزيون في مشاهدة حلقات كولومبو، ومنذ غادرها أولادها (رومان يدرس في غروبل ونادين ذهبت إلى إنكلترا للعمل في صناعة الأفلام) وهي تعمل في محل خياطة، وفي مدونتها تكتب جوسلين بإسهاب، ليس فقط عن الخياطة والمنسوجات، وإنما تكتب عن الحياة بكل ما فيها.

تهتم الرواية في المقام الأول بطرح فلسفة عميقة على لسان البطلة، التي تخلت عن جميع أحلامها لتعيش الحياة ببساطتها، والتي ترى في ذاتها امرأة غير جميلة، وإن كانت ترى العكس عندما تختلي بنفسها وتنظر إلى المرآة. أو حتى تحكّمها في زمام العلاقة بينها وبين زوجها، الذي لا تُنكر عليه أشياء جميلة قد فعلها لها في الماضي، تختزنها وتستدعيها لتكون بمثابة البديل عن الشخص الآخر غير المبالي بها، والمُنْهمك في مشاهدة التلفاز وسلاسل الحكايات الشغوف بها.

الشيء الآخر الذي تلعب عليه الرواية هو انفتاحها وتداخلها مع نصوص أدبيّة ومواد فيلمية وحكايات درامية لتقدّم نَسقًا جديدًا مِن بنية روائية غير مغلقة على ذاتها، بل منفتحة، دون أن تضيع معالم استقلالية النص، وفي ذات الوقت غير داخلة في آليات التناص ومراميه المختلفة، بل تضع هذه المحاورات كمُحفِّزات للساردة على أن تتجاوز تلك المحطات والكبوات التي جعلتها تضعها في لوائح، ربما تعجز رغم وجود المال على تحقيق الكثير منها، وهذه التداخلات والمحاورات مع نصوص أخرى، استلزمت بأن يقوم السارد بتقسيم النص إلى متن وهامش، يقوم في الهامش بشرح تلك الاستدعاءات التي يحفل بها النص وتفسيرها، سواء كانت أسماء شخصيات أو أفلاما سينمائية وأعمالا درامية ونصوصا روائية وغيرها.

"لائحة رغباتي" رواية منفتحة ومتداخلة مع نصوص أدبيّة ومواد فيلمية وحكايات درامية، تقدّم نسقا جديدا مِن البنية الروائية


اختبار الذات


لم تكن الإحالات والتداخلات مع نصوص أخرى إلا بمثابة التمهيد للنهاية ـ غير المُستبعدةـ التي انتهت بها الشخصية، وعلى الأخص كيفية استقبال البطلة خيانة زوجها لها وغدره بها، بعد أن سَرَقَ الشيك الذي كسبته من لعبة يانصيب إثر إلحاح من الأختين التوأم، وهروبه، رغم أنها أعدّت في قائمة احتياجاتها أنها ستمنح زوجها سيارة البورش التي حلم بها، بل سمّت كل شخص بما ستمنحه إياه، حتى أنها خصّصت قيمة مليون يورو لأي شخص سيُصادفها.

القناعة والاستسلام بما فعل الزوج، مهّد لهما السارد منذ الاستهلال الأوليّ للنص، بكشفه عن صفة أصيلة للشخصية، تُساهم في كشف أبعادها الحقيقة إضافة إلى أدوارها المجتمعيّة من خلال مدونة أطلقت «الأصابع العشرة الذهبية»، وهي صفة الاتساق النفسي والمعنوي بين الذات وطبيعتها، فيقول السارد على لسان بطلته:

"يكذب الناس على أنفسهم دومًا. أعرف حق المعرفة، مثلاً، أنني لست جميلة، فليس لديّ عينان زرقاوان يتأملهما الرجال، ويرغبون في الغرق فيهما، حتى يغطس أحد لإنقاذها. وليس لديّ قدُّ عارضة أزياء، فأنا من النوع الممتلئ، لا بل البدين، ذلك الذي يشغل المكان ونصف المكان…إلخ".


جمال غائر


ثمة تأكيد على أنها تعرف كل هذا، إلا أن ثمة إحساسًا داخليًا يتسرب إليها، يكشف عن جمال غائر غير ظاهر تستكشفه عندما تختلي بنفسها، وتغمض عينيها وتتعرّى برفق، فتُقسم ما أن تفتح عينيها بهدوء وببطء حتى تشعر أنها «في هذه اللحظة أكون جميلة، وفائقة الجمال حتى»، هذا الرضا هو الذي جعلها لا تُسرف في لوائحها التي لا تتعدى احتياجاتها ورغباتها، والأهم هو أنها تؤمن بأن لديها لائحة حماقات، وهي اللائحة التي تعكس طيشًا ما وميلاً لأنثوية، حيث ثمة مكان على صدر اللائحة لإجراء عملية تكبير للثدي، وكثير من الأشياء عند شانيل، وإن كانت في هذه الخانة تضع علامة الرفض (لا)، كأنها تعدل إلى صوابها، كما تُضَمِّن القوائم بلائحة أخيرة لاحتياجاتها كالذهاب إلى مُصفِّف الشعر، وتقليم الأظافر وإزالة الشعر.

لا تكتفي البطلة باختبار ذاتها أمام الطارئ الجديد، بل تضع الآخرين في تجربة الاختبار، فتصف لنا حالة الزوج جو بعد أن عَلِمَ بأمر الفوز، وكيفية دلاله عليها وتودّده لها، ووصفها بعبارات حب لم يستخدمها من قبل، أو هي جفت من قاموسه بعد زواجهما، أي قبل عشرين عامًا، وهو ما أكّدت عليه إدارة الجائزة عند تسليمها الشيك الخاص بقيمة الجائزة التي ربحتها، بخضوعها للمرشد النفسي، وإرشادها للمتغيرات التي من الممكن أن تحدث سواء بالنسبة إلى شخصيتها أو من قبل الآخرين المحيطين بها، ورغم تذمرها أمام المرشد ومحاولاتها للانفلات منه، إلا أن كافة التنبيهات التي لمّح إليها بها تحقّقت في أقرب الأشخاص إليها، زوجها.

في الأخير نجح المؤلف إلى حدٍّ بعيد، في تقمص الشخصية الأنثوية تقمصًا يحسب له، معبرًا عن خوالجها النفسية واحتياجاتها البدنية وأيضًا الاجتماعية والجنسية، وتغيراتها الفيسيولوجية، والأهمّ هو توجيه النظر إلى بقعة الضوء داخل كل إنسان ليدرك سرّ سعادته، التي غالبًا لن تكون في المال. فهل بحث كل منا عن سعادته الداخلية أم سيظل يطارد سرابًا، ولا يفيق إلا بعد أنْ يكون فقد كُلَّ شيءٍ.

14