غزة تبلل جفاف أوقاتها العصيبة بالشعر والموسيقى

الحراك الأدبي والفني الكبير غالبا ما يحدث من تراكم لأحداث كبيرة، وليس أكبر من الحرب إلا حدث مدوّ يزلزل الأمكنة ويقوّض دورة الأزمنة، ما يجعل الإنسان عامة يدفع بأقصى ما عنده في دوامة الدمار، وما يجعل المبدع خاصة يندفع محاولا التغيير الجذري، إذ يتهدّم كل شيء ولا سبيل إلى الإصلاح، تتهدم الأخلاق كما المباني والأجساد كما الأفكار والأمكنة كما الأزمنة، فلا يبقى أمام الإنسان إلا البناء من جديد، ويناط بالمبدع أن يكون في المقدمة، جارفا ما بقي من أنقاض في المخيلات المتعبة، ومؤسسا لغد آخر، غد أفضل.
الأربعاء 2015/07/08
\"أوراق مبللة بالموسيقى\" جمعت أهل غزة على ضفاف الإبداع

إنها غزة التي عشش الجفاف في أرضها رغم بحرها الواسع، فلم يجد مبدعوها غير الشعر والموسيقى ليبللوا وقتها اليابس، إنها غزة التي تتنفس قصائد وألحانا، فتغير وقع الخطى الثقيلة، غزة التي تضج بالشعر، وتسبح في بحر الخيال والعجائبية، وتأبى إلا الحياة ريانة، مليئة بصور الشعر، بألوان التشكيليين، بأوتار العازفين وإيقاعهم، فتمر أمسياتها هادئة تنتظر ما لا يأتي أبدا.

أوراق مبللة بالموسيقى

شعراء وشاعرات ومتذوقون للأدب تجمعوا في مؤسسة المسحال للثقافة والفنون، احتضنهم المكان خلال أمسية شعرية أطلقوا عليها “أوراق مبللة بالموسيقى”، كان المشاركون فيها من الشعراء الشبان والمتقدمين عليهم في العمر، في كسر واضح لعقدة المجايلة والأبوية، ومزج ساحر بين الشعر والموسيقى عبر عود الموسيقي أيمن أبوعبده.

الشاعرة الشابة إيناس السلطان التي تشق طريق الشعر بأسلوب خاص، قرأت:

لا لم أهرج، حينما سألتك: إننا في الماء؟

لا تنكر أننا في تحول دائم لئلا نسيء لحظة للماء

فلماذا تضحك علي إذن؟

لتعرف نفسك في زحامك، لا تضحك

وجهة نظر

قال: وماذا كنت ستكون؟

ربما سمكة أشرعت ماءها بوجه الحدس

أو أغنية حامضة في حلق المغني

والأفضل لو شهدت تجميعي

كنت فككت دلالاتي كلما شعرت بالثقل

قال: انفتاحك على انحدارات غيرك تجعلك تفنى دوما

قلت: يخنقني الواسع المطلق

انطباقي علي يجعلني فضفاضا على غيري

أما الشاعر الشاب حسام معروف فقرأ:

بينما يلقي الحزنُ دفأنا في الثلج

نكون نبحث عن حزن يُسيل عظامنا

كما يسيل الضوء على كون أجوف!

الحزن لا يأتيك إلا صادقا

مُلحا

نقيا كعتمة،

طليق أنت معه

لا وقت لديك لتفقد وجهك،

أجنحة الحزن تحملك إلى الله

تحملك إليه..

شعراء وشاعرات ومتذوقون للأدب تجمعوا في أمسية تجمع بين الموسيقى والأدب

الشاعر عثمان حسين عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب في غزة قال: لدينا مشهد شعري، فأين يقف الشعراء الشبان من هذا المشهد؟ وما هي استخدامات اللغة من حيث الشكل والمضمون، وكيفية انعكاس الرؤية على نصهم الشعري، من حيث طبيعة اللغة المستخدمة وطبيعة اختيار الموضوع المشغول، وتأثيرات اللغة على النص الشعري؟ مجموعة من الأسئلة تفرض علينا التأمل ودراسة هذا المشهد للوقوف على مرتكزاته، والدفع بالطاقة الشابة نحو مسارها الصحيح.

وتساءل الشاعر علاء نعيم الغول حول مستقبل القصيدة في قطاع غزة، ودورها في دفع المشهد الأدبي قدما، وما هي الأدوات والأرضية التي ستتبناها القصيدة وتتمسك بها من أجل تشكيل إطار يجعل من هذه القصائد شكلا متكاملا.

وتحدث الروائي محمد نصار عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب في غزة عن قصيدة النثر الشابة في قطاع غزة، والتي استطاعت أن تزاحم رغم كثرة الشعراء الذين اختاروا مثل هذا الشكل الشعري، واعتبر أنها أعطت الشاعر مساحات أكبر ليعبر فيها عن ذاته.

يوم آخر ووقت جديد للشعر والموسيقى يهرب فيه الغزيون من أرقهم وقلقهم إلى آفاق الإبداع، ينصتون لصوت الأدب والنغم، يتجادلون، يتناقشون، وينتشون بطاقة متجددة للحياة، على أمل أن يأتي البعيد محمولا على آخر الأنغام العالقة في الأذن من معزوفات ريم عنبر على العود وفارس عنبر على الإيقاع، وصوت الشاعر الشاب هشام أبو عساكر وهو يقول:

مكثتُ أربعة أعوامٍ ألمِّعُ أخطاءَكِ بمناشفَ النّدم

ذهبتُ وراءَ ذهابِك بملابسَ الحبِّ المتّسخة ذاتها

بجواربي المرقّعة

بقدمين ورّمهما اللّهاث خلف غيابِك

ذهبتُ وراءَ ذهابِك بخُطى العاشقِ المهزوم

أجرُّ أربعَة أعوامٍ عجافٍ على ظهري وأبكي

وصوت الشاعرة الشابة هبة صبري وهي تقرأ:

يتلصص الضوءُ شيئا فشيئا

يجثو على مائدة حلمي التي أغفو عليها وحدي

يجردني من رماد تـرف المدينة

يتحرش بجديلات شعري التي تغازل ملامح وجهي

وكأنه يقدم لي دعوة متمردة للرقص على أنغامها

الشاعر والناقد جبر شعث قال: لماذا نكتب الشعر؟ سؤال صعب كصعوبة كتابة الشعر نفسه، والإجابة عنه قد تكون مستحيلة كاستحالة تعريف الشعر. نحاول بكتابتنا للشعر أن نثبت الصخرة على قمة الجبل، أو نوسدها لسفحه، أو نثبتها في المنتصف.. ولكن هيهات.

يوم آخر ووقت جديد للشعر والموسيقى يهرب فيه الغزيون من أرقهم وقلقهم إلى آفاق الإبداع، ينصتون لصوت الأدب

ما قالته الأشياء

وكأن الغزيين أدمنوا الموسيقى واعتادوا سماع الشعر بعدما أكلت الحروب أرواحهم، ومزقتهم السياسة فهربوا إليهما يتفيأون ظلالهما الوارفة، يرسمون أيامهم بخيال الشعراء وأنامل الموسيقي، يملأون فراغ أيامهم بما قالته الأشياء، كما سموا أمسيتهم، التي قال فيها الشاعر الشاب محمد الزقزوق على خلفية موسيقية للعازف فادي أبو ياسين:

ما الوطنُ يا أبتِ؟

فكرةُ الأرض حين تتسع وتضيق،

شَغبك الممنوع كي ينام الحُكام

وصُراخكَ المبحوح لأنهم لا يسمعون

ورغيفك المقطوع لأنهم لا يشبعون،

ضياعُ حُلمكَ في زحام المدينة،

الوطنُ يا بني لا يحضرُ إلا إذا حَضرت الخرائط،

ولا يَكونُ وطنا إلا إذا زاد الشهداء

ولا يعرفُ نَفسه إلا في جنازاتهم

تتنفس غزة الشعر نقيا رائقا أكثر من هوائها الذي لوثته غارات إسرائيل وأسلحتها القاتلة، تتنفسه فيخرجها من الموت إلى الجمال، المحمول على صوت الشاعر ناصر رباح حين يقول:

آه، حين عبر الأصدقاء كرمك أكلوه حصرما، وأنا ضرستُ.

لماذا إذن ترفعُ السماءُ قبعة لمرورك حين لا يراك أحد؟

لماذا لا تصلحُ للمجانين حكمةُ المشي وئيدا،

أي شرفة ستغلقها الكتابةُ، وبابُ ذكرياتك مخلوع تماما!.

هي صورة في جيب سترتك القديمة

زجاجة في مشكاة

والنور يقطعُ حافة القلب كلص يعبر الشارعُ خشية أن تراه،

يدفئ الصمت،

يجالس العتمة كلما أمكن البكاء.

وصوت الشاعرة الشابة سحر موسى وهي تقرأ:

حين يصيبُك هاجسُ العتمة،

يسيلُ دمُك على حافة الغيم أزرق.

وقتها، قد تعلق قلبك على حجر،

أو فوق ناطحة سحاب،

أو فوق فوهة “مدفعية!”

سينسى قلبُك أنه ابنُ غيمة،

أنهُ كان سيصيرُ ماء فوق جسد الأرض أو أغنية.

15