غزة تجني علقم ديبلوماسية حماس المتفككة

الخميس 2014/07/31
وحدهم المدنيون والأطفال يدفعون ثمن تباطؤ وتخاذل السياسيين

لندن - التجاذب الحاصل في علاقة بملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الدائر في غزة والارتباك الديبلوماسي “الحمساوي” اللّذان أفضيا إلى فشل مؤتمر باريس الأخير، أثبتا ضرورة التعويل على كافة القوى من أجل التوصل إلى هدنة دائمة، وخاصة دور مصر التي حافظت على ثقلها الإقليمي رغم محاولات التحجيم، بحسب دراسة صادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية للباحث شاشان جوشي.

في الصراع الذي تعيشه غزة الآن، وبعد رفض وقف إطلاق النار ليس هناك أي وسيط مثالي، وبالتالي يتعين الجمع بين الوسطاء المحتملين في عملية مهيكلة بشكل أحسن، دون اقصاء أو محاولة لتحجيم هذا الدور أو ذاك.

وليس هناك مثال أحسن على ديناميات الحملات العسكرية المفتوحة وصعوبة تكهن عواقبها من الحرب على غزة. وقد بدأت هذه الحلقة من الصراع المتواصل بأربعة شبان تم اختطافهم (ثلاثة إسرائيليين وفلسطيني واحد كردة فعل) ثم تلت ذلك سلسلة من الإجراءات الانتقامية التي أسفرت عن أضرار جسيمة.

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، يوم الإثنين الفارط، في آخر تصريح إحصائي لها عن ارتفاع حصيلة قتلى الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، لليوم الثاني والعشرين على التوالي إلى 1060 قتيلا فلسطينيا، وإصابة 6235 آخرين(معظمهم من المدنيّين)،هذا بالإضافة إلى الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا(لم يتم تحديد عددهم بالتدقيق)، والذين يقدّر مجموعهم بنسبة تتجاوز تلك التي تمّ تسجيلها في الحربين السابقتين على غزة مجتمعتين.

إنّ الهدف الذي صرحت به إسرائيل، المتمثل في ‘استعادة الرّدع′ (وهو مفهوم قديم في الاستراتيجية الإسرائيليّة)، يقول الباحث شاشان جوشي في دراسته، الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية، “هو هدف ضبابي ومتمطّط، وبحكم طبيعته لا يمكن تقييمه إلاّ بعد انتهاء الحرب”، ففي البداية تطلبت استراتيجية “الاستعادة” تلك ضرب مخزونات حماس من الصواريخ جويا، ثم توسع الهدف ليشمل زعماء حماس الكبار، بعد ذلك تدمير الأنفاق على أطراف غزة، وفي الأيام الأخيرة توسعت لتقترب من قلب المدينة المكتظ بالسكان.

موقف حماس من المبادرة المصرية ينم عن عدم إدراكها بعد أن الديبلوماسية لعبة يشترك فيها لاعبون متعددون

وربما بالغت الجريدة الإسرائيلية “هآرتز″ عندما قالت إن هذه الحرب هي تقريبا في مستوى الحرب اللبنانية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله في سنة 2006، لكن يبدو الآن أن ذلك المستوى من الحرب في طريقه إلى التحقق.

وعلى الرغم من أنّ باراك أوباما دعا إلى “وقف فوري لإطلاق النار”، وسُمع وزير خارجيّته جون كيري وهو ينتقد إسرائيل بسخرية قائلا إنّه “من الجنون المكوث وعدم فعل أيّ شيء”، تباطأت واشنطن في التحرّك بصفة لا تغتفر. ولا توجد أيّة إشارة على أن البيت الأبيض فعل شيئا ليحذر إسرائيل من التصعيد، ولم يسافر جون كيري بدوره إلى مصر إلاّ يوم الإثنين (21 من يوليو).

الفاعلون الإقليميون الثلاثة: مصر وقطر وتركيا، (حسب الترتيب في الأهمية) كلهم حلفاء كبار للولايات المتحدة، ومستفيدون بشكل واضح من السخاء الأميركي، لكن كلّ حالة منهم ترافقها تعقيداتها، خاصّة مصر التي أنهت حكم الإخوان المدعومين من طرف واشنطن وعملائها في المنطقة. وفي هذا الإطار تطرّقت دراسة شاشان جوشي إلى أدوار هؤلاء الفاعلين بوصف أضفنا عليه بعض التحليل:


الدور القطري المشوب بالالتباس


قطر هي مساند مالي لحماس منذ وقت طويل وتستضيف الزعيم السياسي للحركة خالد مشعل، لكن يبدو أن مساعداتها المالية لحماس تضاءلت، مؤخرا، بفعل الضغوط من المنافسين الخليجيين المحافظين الذين يعارضون بشدة دعم الدوحة لجماعة الإخوان.

ويظلّ الدور القطري مشوبا بالالتباسات، خاصّة وأن قطر مضت في طريق مساندة الحركات المتطرفة والمتشدّدة في بلدان ما سمّي بـ”الربيع العربي” محاولة بذلك زعزعة أمن هذه البلدان التي تعاني ظروفا أمنية واقتصادية صعبة للغاية، ما جعل مصر على سبيل المثال تتخذ موقفا حاسما من قطر على خلفية مساندة هذه الأخيرة للإخوان ورئيسهم محمد مرسي الذي عزل بفعل ثورة شعبية قامت في يونيو 2013، مطالبة إيّاها بمعيّة بلدان الخليج الالتزام بعدم المساس من أمن مصر الداخلي ومن الأمن الإقليمي للبلدان العربية المجاورة. غير أنّ قطر كعادتها مازالت تلعب على “ستين حبلا”. حيث يرى مراقبون أنّ تدخل قطر في الملف الأخير المتعلق بالحرب على غزّة لا يعدو أن يكون سوى تعطيلا لدور مصر الإقليمي ومحاولة لتحجيم هذا الدور قدر المستطاع بمعيّة تركيا التي تناصب مصر نفس العداء بسبب الإخوان أيضا.

تركيا المساند الباحث عن التطبيع!

ساندت تركيا ببساطة حماس على حساب باقي الفصائل الفلسطينية المقاتلة(بفعل القرابة الأيديولوجية بين الحركة وحزب العدالة والتنمية الإخواني الحاكم في تركيا)، ففي أكتوبر 2012 حظي خالد مشعل بترحيب حماسي في المؤتمر الوطني لحزب العدالة والتنمية، وزار أنقرة ثانية خلال شهري مارس وأكتوبر من السنة الماضية. في المناسبة الأخيرة قابل رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان لمدة ثلاث ساعات، وخلال اللقاء حضر كل من وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات التركيين. وعلى الرغم من محاولة تركيا تطبيع علاقاتها مع إسرائيل منذ نشوب الخلاف بينهما في سنة 2010 على إثر اعتداء إسرائيل على باخرة كانت متّجهة إلى غزة، مازالت العلاقات بين البلدين متوترة، كما رفض ناتنياهو إمضاء اتفاق تطبيع.

من جهة أخرى، زادت الهجمات على القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول، الأسبوع الماضي، في تعكير الحالة بين تركيا وإسرائيل، واتهم أردوغان إسرائيل بالإبادة الممنهجة في غزة (وأضاف بأن الأمم المتحدة “تخدم أجندتها السرية”). دور تركيا كذلك لا يعدو أن يكون سوى خلطا لأوراق المنطقة من جديد بغاية البحث عن موطئ قدم في المفاوضات حول ملف الشرق الأوسط الذي طالما زايدت به تركيا على الجانب الأوروبي خاصّة عندما اشتدت النقاشات حول مسألة قبولها في إطار الاتحاد الأوروبي من عدمه.


مصر اللاعب الرئيسي


التقارب الأيديولوجي بين حماس والحزب الحاكم في تركيا من جهة، وبينها وبين قطر الداعمة للإخوان على الدوام من جهة أخرى، يعدّ من بين أهم الأسباب التي جعلت حماس تؤمن بأنّ قطر وتركيا تحتلاّن محلّ الوسيط “الأكثر صدقا” من غيرهما، وبالأخص أكثر من مصر التي أدارت ظهرها لحماس منذ صعود حكومة مدعومة من الجيش بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي، بسبب الدور الذي لعبته عناصر من حماس في زعزعة الأمن الداخلي المصري بقصد إعادة حكم الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي.

ولا يخفى على أحد أنّ مصر تكتسب بطبيعتها دورا محوريا في المحادثات، وفي أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار، لأنها تؤثر وتتحكم في أهم المعابر، تحت الأرض أو فوقها، إلى جنوب غزة، كما أنّ مصالح الاستخبارات لديها متعودة منذ زمن على التوسط في عقد صفقات التهدئة ووقف إطلاق النار . لكن علاقتها بحماس هي اليوم في أدنى مستوى لها من أيّ وقت مضى، والحال أنّ الديبلوماسية هي لعبة يشترك فيها لاعبون متعددون، ويبدو أنّ حماس لم تستوعب هذا بعد.

محمود عباس: المبادرة المصرية شاملة وتلبي كل المطالب الفلسطينية


مؤتمر باريس مضي في الفشل


عدم دعوة مصر لحضور مؤتمر باريس الذي انعقد مؤخّرا بغاية “إعلان هدنة دائمة في غزّة”، بحسب ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الفرنسية، يفضي إلى احتمالين إثنين كلاهما لن يكونا أبدا في صالح المدنيين الفلسطينيين الذين يحصون الدقائق من أجل رفع هذه المظلمة عنهم وحفظ دمائهم، الأول هو أنّ الفاعلين الدوليّين لم يستوعبوا بعد الدور المنوط بعهدة مصر والثقل الذي تمثله في المنطقة وبالتالي فهم أسقطوا أهم ورقة يمكن أن تضمن نجاحا نسبيا لهذه المفاوضات قبل بدايتها. أمّا الثاني فهو مرتبط بما سبق أن أشرنا إليه حول محاولة “تقزيم” الدور المصري وإبعاد القاهرة عن اللعبة السياسية الإقليمية من طرف تركيا وقطر وحليفتهما حماس، بسبب موقفها من جماعة الإخوان.

هذا الاستبعاد للدور المصري، رغم أنّ الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية رومان نادال قال “إنّ الاجتماع يهدف إلى دعم المبادرة المصرية وإنه نظم بالتفاهم مع القاهرة”، أسفر بصفة مباشرة أو غير مباشرة عن فشل مؤتمر باريس، الذي ضمّ وزراء خارجية كلّ من الولايات المتحدة وقطر وتركيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، ودعما لما سبق فقد أوضح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، من جهته، أنّ عدم حضوره إلى مؤتمر باريس جاء بسبب عدم دعوة القاهرة إلى هذا المؤتمر، مؤكدا أنه أصر على أن تكون مصر هي من توجه الدعوات للحضور، باعتبارها راعية مبادرة وقف إطلاق النار، مشددا على ضرورة الالتزام بالمبادرة المصرية.

وبهذا تكون الجدوى التي انتظم من أجلها هذا المؤتمر قد انتفت ولم يعد من مصلحة أحد أن تُجرى مفاوضات حول هذا الملف من دون مصر، التي نوّه عباس بالمبادرة التي قدّمتها، مشدّدا على أنّها تلبّي جلّ المطالب الفلسطينيّة، قائلا: "نحن متمسكون بالمبادرة المصرية، وأي شيء سيأتي من جانب مصر على أساس هذه المبادرة فنحن على أتم الاستعداد لنشارك فيه، ولن نقبل بتلبية مبادرات من أطراف أخرى، خصوصا أنّ هذه المبادرات ستعمل على تشتيت العمل الفلسطيني".

ديبلوماسية متفككة وغير ناضجة

إذا ما أخذنا كل هذه المعطيات معا يمكن أن نعتبر هذه الحالة مثالا عن الديبلوماسية المتفككة وغير الناضجة، فالديبلوماسية تتطلب وسطاء يكتسبون ثقة كل الأطراف المتنازعة، والحال أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قطعا الاتصالات تماما مع حماس، ويبدو أنّ العلاقات بين هذه الأخيرة ومصر قد توترت إلى درجة القطيعة.

لا وجود لأي وسيط مثالي، ومن ثم هناك ضرورة للم شمل كل الوسطاء المحتملين في عملية مهيكلة بشكل أحسن

أمّا تركيا فقد ابتعدت كثيرا عن إسرائيل حتى تكون ذات فائدة، بينما تجد قطر نفسها مزاحة من قبل كل الأطراف. إذن لا وجود لأي وسيط مثالي، ومن ثم هناك ضرورة للمّ شمل كل الوسطاء المحتملين في عملية مهيكلة بشكل أحسن.

الولايات المتحدة فقط يمكنها القيام بهذا الدور، وصدق كيري في كلامه، فمن الجنون المكوث في حين كان بإمكانه توجيه دعوة إلى مجموعة عمل من المسؤولين من قطر وتركيا ومصر والأمم المتحدة الّذين يمكنهم التحدث مع نظرائهم من إسرائيل وحماس لإيجاد طرق ممكنة للخروج من هذه الطريق المسدودة، وممارسة ضغوط حقيقية وكافية على كل طرف.

والأهم من كل ذلك لا يمكن تحقيق وقف لإطلاق النار إن لم يأت بفوائد للطرفين. لو بذلت هذه المجهودات منذ البداية وليس بعد مقتل مئات من المدنيين لأمكن تفادي دوامة الحرب التي نشهدها اليوم.

6