غزة على حافة انفجار تسعى مصر لنزع فتيله

فقدت القضية الفلسطينية الكثير من زخمها ووقتها على وقع الخلافات الداخلية الفلسطينية والانقسامات بين فتح وحماس من جهة وداخل حركة فتح من جهة أخرى. وبات الفلسطينيون أنفسهم واعين بأن لا مجال لاستعادة الاهتمام الدولي بقضيتهم، خصوصا في خضم الملفات الكثيرة المفتوحة، إلا إذا تمت تسوية الخلافات الداخلية وتوحيد الجبهات بما يساعد على تجاوز الأزمة الإنسانية، في قطاع غزة أساسا، ويفتح متنفسا جديدا للفلسطينيين. وجاءت بوادر هذا المتنفس من خلال مبادرة للحوار بين حركة حماس وتيار الإصلاح في حركة فتح اللذين اجتمعا مؤخرا في القاهرة وأظهرا تعاونا من شأنه أن يكسر الجمود في المشهد السياسي الفلسطيني ويعطي دفعا لحل الأزمة الداخلية.
السبت 2017/07/22
وقت الحوار لا السلاح

القاهرة - ثمة تغيرات جذرية تحدث في الواقع الاجتماعي والسياسي والأمني داخل قطاع غزة. ويجري بوتيرة سريعة وضع ترتيبات جديدة على خلفية التفاهمات التي تمت في القاهرة مؤخرا بين جناح الإصلاح في حركة فتح وحركة حماس التي أصبحت تبحث عن حل من شأنه أن يخفف من وطأة الضغوط التي تمارس عليها.

وفي ظل ضيق الخيارات، لم يعد أمام حركة حماس سوى القبول بسياسة الأمر الواقع. وكان أن بدأت تنظر بجدية في ما هو مطروح أمامها. وكانت القاهرة طرحت خطة للتقارب بين حماس وجناح الإصلاح في حركة فتح، بقيادة محمد دحلان، بطريقة تنزع احتكار حماس للسلطة في غزة وتمهد لاقتسام الحكم في القطاع بين الطرفين، بعد وضع استراتيجية من شأنها إتمام مصالحة بين جميع الفصائل الفلسطينية دون إقصاء لأحد.

الاعتراف بالأمر الواقع

يمهد تأزم الوضع الإنساني في غزة نتيجة الحصار المفروض على القطاع من جانب السلطة الفلسطينية الطريق لإتمام هذه المصالحة، بل ويسرع من خطواتها، وفق المراقبين، حيث باتت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في القطاع تهدد شعبية حركة حماس وتضعف قبضتها الحديدية عليه.

ويقول متابعون للتغييرات المرتقبة في قطاع غزة إن حماس لن تمانع في قبول أي شروط أو تفاهمات طالما سيبعدها هذا عن الرضوخ لمطالب وضغوطات السلطة في رام الله. وتؤمن الحركة بأنه مهما كانت الخسائر التي قد تعود عليها جراء التفاهمات التي جرت مؤخرا في القاهرة فإن ذلك سيكون أقل وطأة من أن تنجح محاولات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وانتزاع القطاع من يد حماس.

وترى السلطة الفلسطينية في هذه التفاهمات مقدمة لفشل مخطط محمود عباس في الضغط على حماس لتسليم سلطة الحكم في غزة، لكن ضغوطه قد تأتي بنتائج عكسية بعدما أضحت حماس مضطرة لقبول مطالب القاهرة، وفي مقدمتها أن يكون دحلان في صدارة المشهد السياسي في قطاع غزة.

وقال خبراء إن محمود عباس خسر المعركة وهي لا تزال في بدايتها عندما سعى إلى الضغط على حماس من خلال تضييق الخناق على أهالي قطاع غزة، بدءا من قطع الكهرباء وخفض رواتب الموظفين مرورا بوقف جميع التحويلات المرضية للعلاج خارج غزة. وأثارت هذه السياسة غضب أهالي القطاع الذين وجدوا أنفسهم أمام حصارين، الحصار الإسرائيلي والحصار الجديد الذي فرضته السلطة في رام الله.

وأكّد مصدر محسوب على حماس في القاهرة لـ”العرب”، أن الحركة مستعدة لحل الأزمات المتراكمة داخل قطاع غزة خلال الوقت الراهن بأي طريقة، لأن التأخر في ذلك لن يصب في صالح حماس أو غيرها. وعقد قادة الحركة العزم على طي صفحة الماضي مع دحلان وأنصاره، إذ لم يعد هناك وقت لسرد كشف الحساب القديم.

ولا تريد القاهرة بأي حال أن تصل الأوضاع في غزة إلى مرحلة الانفجار، أو بمعنى أدق لن تسمح بذلك، لأنها تدرك خطورة ذلك على أمنها القومي من ناحية سيناء، وتفاقم الأمور بالقطاع يؤدي إلى تسلل عناصر إرهابية إلى أراضيها، لذلك تضغط على حماس لقبول السيناريوهات المرسومة لشكل الحكم والأوضاع الأمنية والسياسية في غزة خلال الفترة المقبلة.

وتبدو مصر على قناعة بأن حماس ستستجيب للمقترحات لأن ذلك يجنبها المزيد من الانكماش بعد المقاطعة العربية للدوحة، وفي ظل تراجع الدعم التركي على ضوء كثافة المشاكل التي تواجهها أنقرة في المنطقة، كما أن عودة العلاقات مع إيران لا يشكل انفراجا لها بل بالعكس تتطلع حماس بحذر إلى عواقب عودة التقارب مع طهران في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.

التقاسم الوظيفي بين الطرفين (حماس/ دحلان) من شأنه أن يتصدى للضغوط ويعيد الاستقرار إلى قطاع غزة

وقال محمد جمعة، الباحث في الشأن الفلسطيني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، إن هناك دوافع عديدة تحض حماس على القبول بمقترح اقتسام التفاهم مع جناح الإصلاح في حركة فتح، بينها أن حماس فقدت الممولين الرئيسيين لها وهما قطر وإيران. وأضاف لـ”العرب” أن “التقاسم الوظيفي بين الطرفين (حماس/ دحلان) من شأنه أن يتصدى للضغوط التي فرضتها السلطة الفلسطينية ويعيد الاستقرار إلى القطاع، وهو ما يضرب خطة أبومازن لحصار حماس في مقتل”.

حسب الاتفاق المبدئي الذي أبرم بين محمد دحلان ويحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحماس، في غزة مطلع شهر يوليو بالقاهرة، سوف يتم اقتسام إدارة معبر رفح بين الجانبين على أن تتولى حماس إدارة الملف الأمني بالقطاع ويكون التيار الإصلاحي مسؤولا عن إدارة المعابر بين غزة وإسرائيل.

ومن المقرر أن تفتح السلطات المصرية معبر رفح بعد عيد الأضحى مباشرة لمدة 8 ساعات يوميا، ثم يجري فتحه بشكل منتظم بعد ذلك إذا تأكدت القاهرة من حُسن إدارة المعبر، وتقوم مصر بالتنسيق مع الإمارات بتطوير المعبر ورفع كفاءته.

وأشار محمد جمعة إلى أن النفوذ الأكبر مخطط له أن يكون بيد التيار الإصلاحي لأنه مدعوم من قوى عربية ودولية كثيرة ما يفتح المجال لإقامة المشروعات الاقتصادية والتنموية والخدمية وإتمام المصالحة ودفع تعويض للضحايا والمصابين الذين سقطوا في المواجهات التي جرت إثر استحواذ حماس على الحكم في عام 2007.

وقال المصدر الحمساوي لـ”العرب” إن قيادة الحركة لا تمانع من تصاعد أسهم التيار الفتحاوي الإصلاحي داخل غزة مقابل نجاحه في جلب المساعدات التي تنهي أزمات السكان في القطاع وعبور الوضع الحالي لتجنب تفاقم الأمور لأن الانفجار سوف يجلب خسائر كثيرة على الجميع.

عباس يفقد أوراقه

وسط التغييرات الجذرية، تجد السلطة الفلسطينية نفسها ليست طرفا في أي شيء يتعلق بالترتيبات الجديدة، وتبدو خاسرة. وتراجعت أسهم الرئيس محمود عباس ولم تعد القاهرة تعوّل عليه في أن يقوم بأدوار كبيرة ومؤثرة تصب في صالح المصالحة الفلسطينية وتنهي الانقسام بين الفصائل.

وخرجت بعض التسريبات التي ارتبطت بزيارة أبومازن إلى القاهرة مؤخرا، وتواترت معلومات عن أنه استفسر من السلطات المصرية عن دوافعها في دعم حماس، وكانت الإجابة التي سمعها أن “مصر تتخذ كل الإجراءات الممكنة للحفاظ على أمنها القومي ومن بينها التفاهم مع حركة حماس الإخوانية”.

حسب الاتفاق المبدئي الذي أبرم بين محمد دحلان ويحيى السنوار، سوف يتم اقتسام إدارة معبر رفح بين الجانبين

وكان الرئيس الفلسطيني يراهن على أن الموقف المصري- الخليجي من قطر ستكون له تداعيات سلبية مباشرة على حماس، ما يصب في صالح استعادة نفوذه في قطاع غزة، لكنه فوجئ بالسيناريو الجديد والذي يجري العمل على ترسيخه واقعا.

وجاءت استفسارات أبومازن على خلفية إصرار القاهرة على التعامل مباشرة مع حماس في غزة عبر الاتفاق معها لمدها بالغاز وفتح معبر رفح والحديث عن دخول منتجات مصرية للقطاع دون الرجوع إلى قيادة السلطة الفلسطينية، ما اعتبره الرجل بمثابة تحول في الموقف المصري منه.

وأوضح أسامة عامر، الباحث الفلسطيني المقيم في القاهرة، إن رئيس السلطة الفلسطينية يريد القيام بأي تصرف من شأنه تعطيل التفاهمات التي جرت في القاهرة بين قادة التيار الإصلاحي وحركة حماس. ويدرك أنه مازال يمتلك بين يديه عددا من أوراق الضغط على حماس منها شرعية سلطته التي قد يستخدمها لفرض المزيد من القيود على القطاع وتأجيج الأوضاع وإثارة الناس.

وأضاف عامر لـ”العرب” أن كل شيء في طريقه للتغيير الآن في غزة، إذا ما كُتب للتفاهمات أن تنجح، وأن هناك إصرارا على تفعيلها باعتبارها تصب في صالح كل الأطراف على الساحة السياسية وصالح الوضع الإنساني بشكل خاص، لا سيما وأن التفاهمات تجمع مختلف الفصائل تحت راية واحدة. وتصر القاهرة على إطلاع الجميع على خارطة التفاهمات.

وفي حال إتمام المصالحة بين التيار الإصلاحي وحركة حماس، وترتيب الأوضاع الإدارية والأمنية وسلطة الحكم داخل غزة بشكل مشترك، فالمصالحة قد تأخذ شكلا أوسع ليتم توحيد التيار الفتحاوي في الأراضي الفلسطينية، أي في قطاع غزة والضفة الغربية. وتحدث مصادر فلسطينية بالقاهرة لـ”العرب”، مشيرة إلى أنه من غير المستبعد إتمام صفقة لتبادل الأسرى تتوسط فيها السلطات المصرية مع الجانب الإسرائيلي للإفراج عن مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لفتح، وهو من أكثر الفتحاويين الذين يمتلكون علاقات معتدلة مع الجميع، ما يساعد على توحيد صفوف حركة فتح بشكل كبير، وتقارب مختلف الفصائل الفلسطينية بما يمهد لمرحلة جديدة تنهي الصراع الفلسطيني/ الفلسطيني.

7