غزة في ظل الغياب العربي والأميركي

الأربعاء 2014/07/16

من المستغرب أن يكون هناك من يتحدث عن عجز عربي حيال المأساة التي تشهدها غزّة. ما الذي يستطيع العرب عمله في غزّة في حين ليس في مقدورهم، حتى قول كلمة حق، في وجه الذين يدعمون النظام السوري المستمر منذ ما يزيد على ثلاث سنوات في ذبح شعبه في كل ساعة بل في كلّ دقيقة.

على أرض الواقع، وفي حال وضعنا جانبا المأساة السورية، ليس في استطاعة العرب عمل شيء للفلسطينيين، لا لشيء سوى لأن كل دولة عربية قادرة، أصلا، على عمل شيء منشغلة بأوضاعها الداخلية وبما يدور حولها وعلى حدودها المباشرة.

من هذا المنطلق، ليس مستبعدا أن يستمرّ العدوان الإسرائيلي الذي تتعرّض له غزّة طويلا، إلا إذا قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما، على غير عادته استخدام نفوذ الولايات المتحدة والقول لبنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إنّ كفى تعني كفى. هل يقدم أوباما على مثل هذه الخطوة، هو الذي يعرف قبل غيره أنّ في أساس مسلسل العنف في فلسطين، الاحتلال الذي يعاني منه شعب مظلوم من شعوب المنطقة لم يجد بعد مكانا له على خريطتها؟

قبل وصوله إلى الرئاسة صيف العام 2008، قام المرشّح باراك أوباما بجولة في الشرق الأوسط. توقّف في الأراضي الفلسطينية وقابل السيّد محمود عبّاس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله. وقتذاك، أبلغ مرشّح الحزب الديمقراطي “أبو مازن” أنّه لن ينتظر الشهور الأخيرة من ولايته الثانية كي يركّز على الشرق الأوسط وعلى النزاع العربي – الإسرائيلي تحديدا. كان يقول بوضوح إنّه سيكون مختلفا عن جورج بوش الإبن الذي لم يعر القضية الفلسطينية اهتماما يذكر طوال ولايته، باستثناء التحرك الذي باشره في الأشهر الثلاثة الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض.

حاول أوباما، بالفعل، القيام بشيء ما بعيد دخوله البيت الأبيض. عيّن مبعوثا خاصا له هو السيناتور جورج ميتشل الذي يعرف المنطقة عن ظهر قلب، والذي يعرف خصوصا أن لا سلام مع استمرار الاستيطان في الضفة الغربية. ما لبث ميتشل أن استسلم أمام التعنت الإسرائيلي، على غرار استسلام وزير الخارجية جون كيري ومبعوثه مارتن آنديك قبل بضعة أسابيع.

خاض الرئيس الأميركي منذ بدء ولايته الأولى غير مواجهة مع نتانياهو. خرج خاسرا من كلّ هذه المواجهات. تحدّاه رئيس الوزراء الإسرائيلي داخل واشنطن وفي الكونغرس، حيث كان تصفيق متواصل لخطابه الاستفزازي المغلّف بالسمن والعسل والعبارات المنمّقة التي يعشقها الأميركيون. فلماذا يستجيب الآن نتانياهو لدعوة أوباما لوقف إطلاق النار والكفّ عن قتل سكان قطاع غزّة؟ ما الذي يمكن أن يجبره على ذلك؟

ما نشهده حاليا في غزّة نتيجة طبيعية لأمرين. يتمثّل الأمر الأوّل في مدى الوحشية التي يمكن أن تذهب إليها إسرائيل في ظلّ الغياب الأميركي الذي عبّر عن نفسه في غير منطقة من العالم، خصوصا في سوريا حيث قتل النظام ما يزيد على مئتي ألف مواطن، من دون أن يرفّ له جفن وهو يرفع شعار محاربة الإرهاب.

هناك نظام يقتل المئات من السوريين يوميا. يستخدم النظام المدعوم إيرانيا وروسيا البراميل المتفجّرة والأسلحة الكيميائية، من دون أن يوجد من يسجّل مخالفة سير في حقّه. أكثر من ذلك، هناك في بعض أوساط الإدارة الأميركية وبين الأوروبيين من يشجّع على حوار مع النظام السوري في ضوء صعود “داعش” في العراق، وكأنّ “داعش” غريبة عن النظام والذين يدعمونه بالمال والرجال والسلاح والتعبئة المذهبية.

أما الأمر الثاني الذي يجعل إسرائيل تذهب بعيدا في التصعيد، فهو عائد أساسا إلى الوضع العربي المهترئ. لم يسبق أن مرّت المنطقة بمثل هذا الوضع الذي يمكن اختصاره بأنّها في مخاض عسير. لم يسبق للمنطقة أن شهدت مثل هذه التعبئة ذات الطابع المذهبي التي جعلت من القضية الفلسطينية قضية ثانوية بالنسبة إلى كثيرين. وهذا ما يدركه، للأسف، قسم من الفلسطينيين.

هناك دول عربية عدة تواجه تحديات كبيرة. على رأس هذه الدول تأتي مصر التي تعاني من مشاكل داخلية ضخمة، كما تبدو محرجة أكثر من أي وقت بسبب ما يدور في غزّة. مصر نفسها تشكو من وضع غزّة التي حولتها “حماس” إلى بؤرة لتصدير الإرهاب إلى سيناء وحتّى إلى الداخل المصري.

وهناك العراق الذي لم يعد معروفا مستقبله. تفجّر البلد من الداخل من دون أن يوجد من يسعى إلى إعادة تجميعه، هذا إذا كان ذلك لا يزال ممكنا. في النهاية، إن ما حصل وما زال يحصل وما سيحصل في العراق يتفوّق بأهمّيته على كل حدث آخر في المنطقة، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار ثروات العراق وتركيبته وموقعه على خريطة الشرق الأوسط.

أمّا دول الخليج، فهي تواجه مخاطر لم تعد عائدة إلى الطموحات الإيرانية فحسب، بل بات عليها أن تأخذ في الحسبان، أيضا، النتائج التي ستترتب على تشظي اليمن. هذا التشظي يمكن أن تكون له انعكاساته على كلّ شبه الجزيرة العربية، خصوصا في حال ثبّت الحوثيون دولتهم التي ستدور في الفلك الإيراني على الحدود السعودية، وفي حال بقاء “القاعدة” تعمل بحرية، ليس بعدها حرية، في محافظات يمنية عدّة، خصوصا في الوسط والجنوب.

زادت “القاعدة” أخيرا نشاطها على الحدود البرية لليمن وباتت تشكّل تهديدا لجاري اليمن، أي المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان. كان التهديد في الماضي مقتصرا على الجار السعودي، لكنّه أخذ في الفترة منحى جديدا على طول الحدود البرّية مع السلطنة.

في ظلّ هذا الوضع الدولي والإقليمي، والغيابين الأميركي والعربي، من يوقف العدوان الإسرائيلي، خصوصا عندما تكون هناك إدارة أميركية أخذت على عاتقها التفرّج على الشرق الأوسط وهو يتفتّت؟ من قال إن الإدارة الحالية تعترض أصلا على تفتيت المنطقة، بدل البحث عن حلول قد تكون مكلفة بالنسبة إليها؟

الواضح أنّ لعبة التصعيد هي اللعبة المفضّلة إسرائيليا. لماذا هذا الإصرار لدى “حماس” على الدخول في اللعبة الإسرائيلية؟ ألم يحن الوقت للتوقف عن المتاجرة بالشعب الفلسطيني وقضيته إرضاء لقوى خارجية أكثر من معروفة؟


إعلامي لبناني

8