غزة: ما قد لا يقال أثناء المذبحة

الجمعة 2014/07/18

ستنتهي المذبحةُ في غزة كما انتهت مذابح سابقة دون أن تغير شيئا من الطبيعة الظالمة للصراع منذ اندلاعه في التاريخ. وما المداولات هذه الأيام، حول المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، إلا وقود للاستهلاك لا يفسرُ الأسباب الحقيقة لعودة البركان للانفجار، كما لن يفسر توقفه عن إطلاق حممه. هي الحكاية القديمة- الجديدة في القتل من أجل القتل. فلا الأمر يحررُ للفلسطينيين أرضاً، ولا المسألة تنقذ إسرائيل من الخطر الوجودي الدائم.

تعرفُ تل أبيب، كما العالم، أن ما يمكن أن يقي إسرائيل خطراً هو سلمٌ عادل من الخفّة التذكير بأبجديته. وفي رفضها لكل أشكال السلم (بدعوى الأمن)، تتمتع إسرائيل بما أجادته وبرعت فيه منذ نشأتها: الحرب.

في عقيدة إسرائيل أن الأمن يُكتسب بالقوة والاحتلال والترهيب. ربما لتلك النظرية وجاهتها في إسرائيل، ذلك أن وجودها منذ 65 عاماً يدين لسلوك العنف والبطش والحرب والاستيطان، وسلسلة طويلة أصبحت مدانة من شرق الأرض إلى غربها.

المسألةُ ليست وجهة نظر بالإمكان مقارعتها بوجهة نظر أخرى. المسألة هي توازن قوى ما زال منذ 1948 يميلُ بأرجحية لصالح إسرائيل. وإذا ما كان العربُ، أنظمة وفصائل وتيارات، قد جهدوا، على مدى العقود المنصرمة، لكسر ذلك التوازن وتحقيق اختراقات، فإن ما تحقق لم ينزعْ عن إسرائيل تفوّقها في تحديد وجهة صراعها مع العرب عامة، ومع الفلسطينيين خاصة.

إسرائيل ليست مخلوقاً محلياً ولا حتى إقليميا يُجابه بأدوات محلية أو إقليمية. فحكاية نشأة الكيان تعود إلى إرادة دولية (للمفارقة شرقا وغرباً)، وإلى توفّر إمكانات لا نهائية (للمفارقة أيضا شرقا وغرباً)، لضمان ديمومة ذلك الكيان. وإسرائيل التي تنهلُ دعمها الغربي تاريخياً منذ بلفور البريطاني، حظيت بدعم سوفيتي، وتأييد تركي، وتفهّم صيني على مدى التاريخ، على نحو يفسر تعقد الحكاية واستمرار تعقدها. وما يجري في غزة هذه الأيام يجسّدُ تماماً تواطؤ العالم، في استمرار نهج لا يريده جدياً أن يتوقف. وربما على الفلسطينيين، أو بعضهم، أن يتوقّفوا، كما توقّف غيرهم، عن الادعاء، عن جهل أو دراية، بالقدرة على حسم المعركة الوجودية مع إسرائيل بأدوات فلسطينية محليّة خالصة.

إسرائيل مشروعٌ دولي تجبُ مجابهته بأدوات دولية. وإذا ما فشلت تلك الأدوات في أن تجتمع في عز عهود الحرب الباردة، فهي لن تجتمع بعد اندثار تلك العهود. كما أن إسرائيل قوة فوق طاقة المنطقة على نحو ما فهمته الأنظمة العربية التي حاربت إسرائيل، والتي صعقها الدعم الغربي اللامحدود في أيام تلك الحروب، في حين لم يقدم الاتحاد السوفيتي (المفروض أنه حليف استراتيجي) أي ندية في الدعم أيام تلك الأزمات. وحتى تلك الدول الممانعة، كسوريا وإيران، فهمت أمر ذلك منذ أمد بعيد، فنأت بنفسها عن أي صدام مباشر، مرتئيةً مقاربة الحالة الإسرائيلية بالوكالة.

من حقّ حماس الكامل أن ترد صاع العدوان صاعين. وجدير أن تشعر إسرائيل برعب في كل مرة تطلق فيها خياراتها النارية ضد المناطق الفلسطينية. ولاشك أن عزة تصيبنا في كل مرة نشعر فيها أن إسرائيل تدفع ثمناً لمغامراتها. ومن الظلم تحميل حماس مسؤولية هذه الكارثة الجديدة التي تحل بالقطاع، ذلك أن إسرائيل تقتات من الدم والنار، وتحتاج ديمومتها إلى خوض العبث.

في موسم النار تجيش العواطف ويكثرُ الغضب ويتراجع مستوى العقل والتعقلن، ولا ريب أن صور المآسي التي ينقلها الإعلام (لاسيما الاجتماعي) تطلق ردود فعل غاضبة أساسها عجزنا جميعا، شعوبا ودولا، عن وقف المأساة ورد العدوان. لكن العقل يتطلب منا التوقف عن جلد الذات وتخوين بعضنا البعض، كما التوقف عن المزايدة الجوفاء، والتي ضجرتنا خلال عقود، حول من هو وكيف يكون الوطني.

في استيعاب حكاية إسرائيل وشروط نشأتها، يصبح مطلوباً وقف السجال المضمر والمعلن حول دور العرب والسلطة الفلسطينية في رد العدوان عن غزة. وبغض النظر عن صواب سلوك وخطأ آخر، وبغض النظر عن الانقسام بين فتح وحماس (رغم المصالحة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية)، فإن تصويب العلة نحو الذات العربية أو الفلسطينية وشوائبهما، ليس فقط غير مفيد وهراء، بل هو خطيئة في تشخيص المرض، وبالتالي خطيئة في الاهتداء إلى علاجه.

أزمة غزة لا تأتي فقط من طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل ربما تأتي من واقعة أن الصراع أصبح فلسطينيا- إسرائيليا فقط. استقال العرب من ذلك الصراع (ربما بما ارتآه الفلسطينيون أيضا) وأصبحوا داعمين خلفيين لـ”الأشقاء” الفلسطينيين. باتت غزة تفصيلاً داخل التفصيل الفلسطيني، وباتت الحروب ضد فلسطين (حماس اليوم وفتح بالأمس) حدثاً محلياً مساحته مساحة المعارك والمواجهات وميدان النار، فيما الدائرة العربية تناصرُ بالحد الأخلاقي المطلوب مأساة شعب، على نحو أضحى، في حالات كثيرة، أضعف من تحركات الاستنكار للعدوان والتأييد للفلسطينيين التي تشهدها لندن وباريس وأوسلو وحتى واشنطن.

يطلّ حدث غزة الجديد والمنطقة، إضافة لاستقالتها من المسألة الفلسطينية، مستقيلة من نفسها. مصر تتلمسُ خطاها ممسوسة بهم داخلي جسيم. سوريا وإيران منهمكتان في صراع وجودي يخصّ النظاميْن، فيما حزب الله، الحليف الطبيعي لحماس، يصوب جهده العسكري نحو ميادين ليست غزة، أو حتى فلسطين، من ضمنها. واللائحة تطول في أزمات العراق واليمن وليبيا وترجل الجهاديين، قاعديين وداعشيين، هنا وهناك وهنالك.

تشن إسرائيل حربا ضد غزة التي يقودها الإسلام السياسي في فلسطين. والمنطقة برمتها تقريباً في حالة مواجهة مع الإسلام السياسي بطبعاته الإخوانية وتلك الجهادية. لا يقبلُ النظام العربي أن تضرب إسرائيل غزة، بمبرر أنها تضرب الإسلام السياسي. لكن حماس تعاني من توتر في علاقاتها مع مصر، كما أنها بسبب إخوانيتها، وتضامنها مع إخوان مصر، وتورطها المزعوم حسب اتهامات القاهرة في توريد الإرهاب، وضعت نفسها في عزلة ليس عن مصر فقط، بل عن منظومة عربية حليفة لمصر بدأت ملامحها تطل يوما بعد آخر.

لإسرائيل أجندتها العسكرية والسياسية في حربها ضد غزة. في ذلك أيضا أن إسرائيل تريد أن تكون لاعبا أساسيا في ما هو مقبل على كل المنطقة من تطورات. تعرض إسرائيل مهاراتها وتذكر بوزنها في تقرير مستقبل المنطقة. لكن التجربة الغزية الراهنة تذكر الفلسطينيين، مرة أخرى، بأن وحدتهم أضحت ضرورة للسلطة كما لحماس. لم تعدْ الضفة تستطيع الاستناد على خطاب سلموي تفاوضي في ظل حرائق القطاع، كما لم يعد باستطاعة حماس وحلفائها الاستناد على خيارات معزولة عن البيت الفلسطيني الواحد كما عن المحيط العربي الواحد.

في المفاجآت العسكرية التي أظهرتها المقاومة في غزة شيء شبيه بذلك الذي أظهره حزب الله في حرب عام 2006. والعبرة في أن يتحول أي إنجاز إلى مادة لرص الصف الداخلي والتمسك أكثر بالمصالحة وبحكومة الوحدة الوطنية (التي اعترف بها العالم بما في ذلك الولايات المتحدة). والمأساة ألا تنزلق الأمور، بسبب غرور أو غشاوة، إلى تصدّع وانقسام على ما شهده لبنان بعد حرب ذلك العام من احتراب داخلي، ما زال البلد يتنفس هواءه الأسود حتى هذه الأيام.

قبلت ‏حماس الانخراط في حكومة وحدة، والقبول بشروط الرباعية لنبذ الإرهاب، والتسليم بمبدأ المفاوضات من خلال منظمة التحرير. قبِلها العالم، بما في ذلك واشنطن، جزءا من الوجه الرسمي الفلسطيني الواحد، هو هذا المنحى الخطير الذي يريد نتانياهو النيل منه وإعادة حماس إلى مصاف “الإرهابيين”، هي هذه الوحدة الفلسطينية التي يريد نتانياهو ضربها، والعبرة في صمود تلك الوحدة.

يحذّرُ أوباما إسرائيل من مغامرتها في غزة، لاسيما تلويحها بعملية برية. يقدم الرئيس الأميركي سلّما لحليفه الإسرائيلي لينزل عن شجرته العالية. تجُول في الأنحاء وساطة تركية قطرية لوقف إطلاق النار (عزيزة على قلب حمس)، تتقدم المبادرة المصرية حاملة مخرجا للأزمة. سيكثر القول ويسيل الحبر وتنشط الدبلوماسية قبل أن تسكت أفواه النار.

سيتألم الفلسطينيون أكثر حين يدركون أن مصابهم صار من عاديات المشهد العربي العام. وأن دوامة القتل والدمار في غزة يقارنها الفلسطينيون أنفسهم بتلك التي في مخيم اليرموك في سوريا، كما في مدن وقرى أخرى في ذلك البلد. سيتألم الفلسطينيون أكثر حين تتشابه مناظر قتلاهم بتلك التي يقترفها الداعشيون دون أن يخجلوا من الجهر بعدم نيتهم مهاجمة إسرائيل. سيتألم الفلسطينيون أكثر حين يَعُون بأن ربيع العرب المزعوم لم يحمل لهم ربيعاً، وأن شتاءهم ما زال مستمرا استمرار نكبتهم التاريخية منذ عقود.


صحفي وكاتب سياسي لبناني

8