غزل سياسي بين القاهرة والخرطوم

الاثنين 2014/07/07

العلاقات بين مصر والسودان مرت بمطبات ومنحنيات وعرة خلال السنوات الماضية، وكاد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، العام المنصرم، أن يخرج التوتر المكتوم بين البلدين إلى العلن، ويفضي إلى أزمة سياسية يصعب علاجها، حيث بدا النظام السوداني متعاطفا مع الرئيس المعزول، بحكم التشابه في التوجه والتلاقي في الأحلام، وأخذت بعض القضايا المسكوت عنها تطفو على السطح، وتظهر مناوشات من هنا واتهامات من هناك.

عدد كبير من المراقبين توقع أن تفضي الحالة المتأزمة إلى مزيد من التوتر، لكن التطورات الداخلية في كل بلد، والتحديات الخارجية التي تواجه كلاهما، حجمت استعراض العضلات، وفرضت قدرا وافرا من الحكمة والتريث، ونحت جانبا الخطاب التحريضي، الذي كانت تغذيه جهات مختلفة بالبلدين، ففي مصر علت نبرة معاقبة السودان بجريرة الإخوان، وفي الأخيرة ارتفعت أصوات إسلامية مطالبة بالانتقام من السلطات التي عزلت رئيسا كان من الممكن أن يكون رصيدا جيدا للخرطوم، وفي النهاية غلب كل طرف مصالحه، وآثر الهدوء والسلامة والسكينة، لأن أي غضبة يمكن أن تؤدى إلى تداعيات سلبية سيكون من الصعوبة علاجها.

فموقف الخرطوم الداعم لإثيوبيا في قضية سد النهضة جرى التعامل معه بدبلوماسية، وتكرار الحديث عن تهريب السلاح عبر الأراضي السودانية تم فرملته من خلال تفاهمات على مستوى القيادة العسكرية في البلدين، وفي المقابل كتمت الخرطوم قلقها عما سمعته بشأن فتح قنوات تواصل مصرية مع المعارضة السودانية، وبلعت الاتهامات التي وجهت إليها حول استقبال عدد من القيادات الإخوانية، ومشت الأمور على طريقة خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، بمعنى الهواجس التي انتابت كل طرف بخصوص بعض الملفات، صاحبتها زيارات ولقاءات، أوقفت انفجار وضع، كان يمكن أن يتضرر منه الطرفان، وفرضت المصالح الاستراتيجية نفسها، وارتضى البلدان سياسة تسكين القضايا الساخنة وعدم نكء الجروح.

كانت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للخرطوم الأسبوع الماضي، وهو في طريق عودته من القمة الأفريقية بأديس أبابا، نقطة تحول أساسية، لأنها أكدت حرص النظام الجديد في مصر على استبعاد خيار التصعيد مع السودان، وبددت شعور بعض الأشقاء في الخرطوم بالنظرة الدونية من قبل القاهرة، وكشفت عن رغبة الرئيس السيسي فتح صفحة جديدة مع السودان، وطي الصفحات القاتمة السابقة، وبعثت برسالة طمأنة مهمة، مفادها تغليب المصالح المشتركة على الضغائن المتبادلة.

الواضح أن سياسة القاهرة تسعى إلى علاج المشكلات بدلا من تضخيمها، وتحاول البناء على القواعد والعناصر التي من الممكن أن تفيد كل بلد، لأن الوصول إلى نقطة صدام سوف يكبد الطرفين خسائر فادحة، ومن هنا جاءت مبادرة الرئيس السيسي بالزيارة، أملا في تغيير موقف الخرطوم من قضية سد النهضة، ورغبة في إحكام سد المنافذ الحدودية، ووقف استقبال واستضافة العناصر الإخوانية والمتحالفين معهم، حتى لا تضطر القاهرة إلى توظيف ما تمتلكه من أوراق سياسية، وهي متعددة، في وقت يعاني فيه النظام السوداني مشاكل هيكلية، وتتجه فيه مصر إلى مزيد من التعافي، مما يمكنها فعلا من إيذاء الخصوم، ومبادلتهم المضايقة بمثلها.

الخرطوم استوعبت الرسالة المصرية، وبدأت خلال الأيام الماضية تعيد حساباتها في بعض القضايا الخلافية، بل اتخذت خطوات عملية لتنشيط اتفاقيات سابقة، منها «الحريات الأربع» التي نصت على حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك، والإسراع بإحياء شبكات الطرق المتعثرة منذ فترة، للتدليل على التمسك بالوفاق مع مصر، وحضت مؤيدي النظام الحاكم على تخفيف لهجة الانتقادات، فقد وجدت أن مواصلة سياسة المناكفة سوف تجلب لها متاعب مصرية كثيرة.

في وقت تعاني فيه البلاد تحديات على مستويات عدة، هناك المعارضة التي ضاعفت تحركاتها للضغط على النظام السوداني ومحاولة إجباره على الشروع في إصلاحات رئيسية، أو مواجهة شبح السقوط بالمظاهرات على الطريقة المصرية، كما أن جبهات القتال المشتعلة في الغرب والجنوب تزايدت سخونتها، وهو ما أصبح تحمله مرهقا لقوات الأمن السودانية، ناهيك عن التصدعات التي تنخر جسد الحركة الإسلامية، التي ينحدر منها الرئيس عمر البشير وغالبية أعضاء حكومته.

الحاصل أن تبني سياسة الغزل المتبادل تبدو طريقا إجباريا، لا يملك أي من البلدين رفاهية التخلي أو الحياد عنه، فإذا كان النظام السوداني مسيرا وليس مخيرا، بحكم الصعوبات التي يواجهها، داخليا وخارجيا، فإن النظام المصري مضطر أيضا إلى المضي في الطريق نفسه، حيث تعد الخرطوم واحدا من المفاتيح الفاعلة في ملف مياه النيل، ونجح التنسيق معها في وقت سابق في تفويت الفرصة على النيل من مصالح الدولتين، وعندما تراجع واجهت مصر تحديدا أزمات معقدة مع معظم دول حوض النيل.

كما أن النظام المصري لن يتحمل تصعيدا جديدا يأتيه من الجنوب، يشغله عن معالجة السخونة الموجودة على الحدود الشرقية (في سيناء) والحدود الغربية مع ليبيا، زد على ذلك أن القاهرة الطامحة إلى دور عربي وإقليمي، يجب أن تضرب المثل في أنها قادرة على حل خلافاتها الخارجية بطرق دبلوماسية، قبل الشروع في ممارسة دور قيادي، وبالتالي فترطيب الأجواء مع السودان يضرب مجموعة من العصافير بحجر واحد، ويحقق لكل جانب مكاسب سوف تعجز المواجهة عن تحقيقها.


كاتب مصري

9