"غزوات" العقارب القاتلة كابوس يؤرق سكان أوباري جنوب ليبيا

سكان بلدة أوباري جنوب ليبيا يعانون كل صيف من تكاثر العقارب السامة، التي تشاركهم مساكنهم وحياتهم اليومية، وسط مخاوف شديدة من تعرضهم للدغ وخاصة الأطفال.
الاثنين 2018/04/30
لا يفلت منها الكبير ولا الصغير

أوباري  (ليبيا)- مع بداية فصل الصيف، يتسارع أغلب سكان بلدة أوباري جنوبي ليبيا، لاتخاذ بعض الإجراءات من قبيل رش المنازل بالمبيدات والمحروقات، لحماية حياتهم من موت أكيد جرّاء لدغات العقارب.

وتتزايد معدلات الإصابة باللدغات خلال فصل الصيف، نظرا للأجواء الحارة التي تدفع العقارب إلى مغادرة جحورها، إذ لا يمرّ أسبوع دون تسجيل حالة وفاة بسبب اللدغ.

وتعاني بعض المناطق العشوائية، كحيي “الشارب” و”المشروع″ من عدم وجود أمصال مضادة لعلاج لدغات العقارب، بحسب السكان المحليين.

 

الصيف على شاطئ البحر نعمة ومتعة واستجمام، لكنه بمثابة العقوبة على سكان المناطق الصحراوية، حيث لا تسمح لهم الظروف المادية بمغادرة مدنهم حين يشتد الحر والعطش، هذا ما يعانيه سكان منطقة أوباري جنوبي ليبيا، فإضافة إلى المناخ الحار تهاجمهم في الليل والنهار جحافل من العقارب تهددهم وتهدد أطفالهم، خاصة بعد إهمال الحكومة والسلطات المحلية إجراءات مقاومة هذه الظاهرة التي تتكرر كل موسم صيف

ويقول هؤلاء إن ساعات المساء هي الأكثر نشاطا للعقارب، ويتم خلالها تسجيل حالات وفاة لسببين، الأول يتمثل في بعدهم عن مراكز العلاج وارتفاع أسعار الأمصال في السوق السوداء، والثاني في عدم توفر المصل المضاد للعقارب.

وفي إطار الجهود الخاصة لتقنين الإصابة باللدغات، بادرت خديجة عنديدي بفتح عيادة لتقديم الإسعافات الأولية في حي “الشارب”، عام 2016. تقول عنديدي، إنها أنشأت العيادة بسبب الإصابات الكثيرة وغياب المراكز الصحية، فضلا عن بعد المستشفيات عن هذه المناطق.

وتستذكر خديجة أول حالة إصابة وأصعبها، استقبلتها في منزلها عام 2016، والتي كانت سببا ودافعا لإنشاء مركز للإسعافات الأولية. وتقول، “أول حالة كانت لطفل في الخامسة من عمره، وكانت الكهرباء مقطوعة، لكننا نجحنا في علاجها ما شجّعنا على الاستمرار في تقديم الإسعافات لحالات أخرى”.

وتشير خديجة،إلى  أن “مركز نور العلم الذي يضم العيادة يسعى إلى تدريب أكبر عدد من النساء على الإسعافات الأولية، لتكون في كل منزل مسعفة”. وتلفت إلى أن المركز استقبل العديد من الحالات منذ بدء ارتفاع درجات الحرارة في البلاد، “لكن بسبب غياب المصل المضاد نستعمل حقنة الهيدرو كرتزون كبديل”.

وتوضح أن أغلب الحالات كانت من نصيب الأطفال، وتكون خلال الليل لأن العديد من الأسر تجلس خارج بيوتها، نظرا لانقطاع التيار الكهربائي والارتفاع الشديد لدرجات الحرارة.

وتتخذ الزواحف والعقارب السامة من المناطق القاحلة الصحراوية أماكن للعيش، وبذلك يتحول وجودها بمثابة كابوس لأهالي بلدة أوباري، حيث تشاركهم مساكنهم وحياتهم اليومية وسط مخاوف شديدة من تعرضهم للدغ وخاصة بالنسبة للأطفال.

يقول محمد أبته، الناشط الشبابي في أوباري، إنها “معاناة أخرى تُضاف إلى مشكلات المواطن في الجنوب الليبي”. ويؤكد أبته، أنه من الممكن محاربة لدغات العقارب من خلال رش المبيدات في أماكن تكاثرها كالقمامة وفي جدران الأحياء العشوائية، وأيضا بتوفير كميات كبيرة من المصل المضاد للسموم.

ويستغرب من توفر مثل هذه الحقن المضادة للدغات العقارب في مناطق الشمال. لافتا إلى أن المواطنين في الجنوب يكافحون هذه الآفة بالطب الشعبي وبعض الطرق البدائية.

الأهالي يكافحون اللدغات بالطب الشعبي والطرق البدائية
الأهالي يكافحون اللدغات بالطب الشعبي والطرق البدائية

ولقد تقلص تدخل الدولة لمساعدة السكان في مواجهة صعوبة الحياة ودعم المستشفيات بالأدوية اللازمة، وهو ما جعل السكان يعيشون حياة معزولة يواجهون فيها مشاكلهم بأنفسهم، ولذلك غالبا ما يموت المصابون بلدغات العقارب.

مدير مستشفى أوباري، منصور الجندي، يقول، إنه تم تسجيل 51 إصابة بلدغات العقارب منذ بدء ارتفاع درجات الحرارة، و4 حالات وفاة لأطفال في هذه المدينة فقط. ويضيف، “راسلنا العديد من المسؤولين في وزارة الصحة، وممثلين عن المناطق الجنوبية في المجلس الرئاسي لحكومة التوافق، لتوفير المضادات”، مؤكدا أنه تم تنبيههم إلى حجم الخطر.

ويقول الجندي إنهم تواصلوا مع منظمة الصحة العالمية في تونس، مشيرا إلى أن كمية تقدّر بألف و400 حقنة من مصنع “سانوفيا” الفرنسي، قد وصلت قبل أيام إلى طرابلس، وسيجري نقلها إلى أوباري في أسرع وقت.

لكنه يؤكد أن الكمية غير كافية، مطالبا بتوفير 30 ألف حقنة على الأقل، نظرا للأعداد الكبيرة التي قد تصل إلى مئة حالة خلال اليوم، في حال ارتفاع درجة الحرارة بشكل أكبر وتحرّك الرياح.

ويشير الجندي إلى خطة عمل وضعتها إدارة المستشفى تتمثل في توصيل المصل المضاد للدغات العقارب إلى الأحياء العشوائية والبعيدة عنها، ما يساهم في إنقاذ العديد من الحالات. ويطالب بتفعيل الإصلاح البيئي بالدرجة الأولى، ورش الأدوية والمبيدات في المناطق التي تتكاثر فيها العقارب.

كما يطالب بتوفير الحقن بأعداد كبيرة، وتوعية الناس وتثقيفهم بعمليات الإسعاف الأولي. وأوضح، أن بعض الحالات “على الرغم من أخذ العلاج فإنها تفارق الحياة بمجرد شربها الماء، وذلك يعود إلى عدم التثقيف الصحي”.

وفي السياق ذاته، يقول محمد حسن يحيى، مدير شركة الخدمات العامة في أوباري، إن العقارب تتكاثر بشكل كبير في الأحياء العشوائية والزراعية، مثل الشارب والمشروع وابهغ والسند. ويضيف يحيى، “حتى اللحظة لم يبدأ رش تلك المناطق، نظرا لعدم توفر المبيدات حتى في المراكز التجارية الخاصة”. ويوضح، أنه يوجد مبيد خاص لمكافحة العقارب يسمى بكرفيت، لافتا إلى أن مثل هذه المبيدات يُفترض على وزارة الحكم المحلي توفيرها بشكل كبير.

ويطالب يحيى وزير الحكم المحلي في حكومة الوفاق الوطني، بدعم الشركة بالقيمة المالية وتخصيص جزء منها لتوفير المبيدات بكمية كبيرة، لتجنّب نقصها مستقبلًا. وتعيش العقارب في المناطق الحارة والجافّة، ويوجد حوالي ألف و500 نوع منها حول العالم، لكن 30 منها فقط يعتبر خطيرا إذ تتواجد لديها الغدة السامة في نهاية الذيل.

لدغات

 

20