غزوة "البطاطين"

إذا وجدت نفسك على الأرض، ولا بطانية فوقك وأنت ترتجف من البرد.. فاعلم أخي التعيس تعاسة “البلبول في شهر أيلول” أنها بركات الطاهرة “اللي ما تتسماش”.. مراتك!
السبت 2019/01/19
غزوة البطاطين مستعرة

في هذا الطقس البارد جدا، أجد نفسي مدينا بالاعتذار مقدما لأهل لندن، ومتعاطفا مع قاطني لوكسمبورغ، بينما يكون الإشفاق من نصيب سكان سيبيريا، ذلك أنهم يتعايشون بـ”سلام” جدا مع صقيع أدنى من الصفر بعشرات الدرجات، يذهبون لأعمالهم، ويمارسون حياتهم الطبيعية ويضحكون ويمرحون، بينما نحن في بعض عواصمنا العربية نجأر بالشكوى وننكمش في بيوتنا وتحت أغطيتنا ونقاطع الحياة ونلعنها “واللي عايشينها” لمجرد انخفاض الحرارة لقرابة الـ6 درجات.

ذات الحال في الصيف.. ولأننا “نتحرحر” بالحرارة -كما قال فيلسوف مصر الفكاهي سعيد صالح- فإننا أيضا “نتبربر” بالبرورة أمام فاتورة الكهرباء جراء استخدام التكييف.. وبالتالي تكون خناقة كل بيت ممثلة في “غزوة القرود”، التي بطلها زوجٌ يقفز “مكرٍّ مفرٍّ” بين الغرف صارخا لإطفاء “النور” فيما زوجته وأولاده يتضاحكون عليه مكتفين بإشارات لا تقل سخرية عن تعليقات شيبوب على أخيه عنترة!

أما في شتاء كهذا، فتنعكس الآية، إذ ينتقل الصراع إلى الأسرّة.. وتكون معركة كل بيت.. بين الزوجين بعضهما البعض، أو بين الأولاد عندما تتحول الحال بينهم إلى عداوة الأوس والخزرج في حروب “شدّ البطانية”، والتهمة لن تكون أقل من الصراخ: من هذا “الحمار” الذي سحب الغطاء عن جسدي؟

عدا نزلات البرد والزكام والرشح المزمنة التي تكفل لضعيفي المناعة مثلي ملازمة الفراش لأيام طويلة، فإن من دخل تحت البطانية فهو آمن، إلا أن كارثة أخرى كالتفكير في الاستحمام تبدو عملا انتحاريا أو جهاديا -وفق ظروف المرحلة- لا يفيد معه “التيمم” لدفع توابعه الارتدادية، ربما بانتظار فتوى من أحدهم ملخصها أن من دخل الحمام بنية الاستحمام؛ ولما خلع ملابسه ونظر إلى الماء فارتجف وارتعش؛ ثم تراجع وارتدى ملابسه مرة أخرى “ع الناشف”.. كُتب له أجرُ استحمام كامل.. وهو على أي حال أجرٌ لا تغني معه كل معطرات الدنيا لتجنب الروائح الكريهة أو الجَرَبِ المحتمل!

وبمناسبة غزوة البطاطين المستعرة الآن، أعجبني حكيمٌ “بردان” جدا إذ قال: إذا نمت ببطانية واحدة ونهضت فوجدت بطانيتين عليك.. فاعلم أنه “حنان الأم”، وإذا نمت ببطانيتين وقمت لم تجد غير واحدة.. فاعلم أنها “نذالة الأخ”، وإذا نمت ببطانية واحدة وصحوت لتجدك أسفل كومة من البطاطين والأغطية والمفارش.. فاعرف أنه “حقد الأخت” لأنك نائم وهي تنظف الشقة، أما إذا وجدت نفسك على الأرض، ولا بطانية فوقك وأنت ترتجف من البرد.. فاعلم أخي التعيس تعاسة “البلبول في شهر أيلول” أنها بركات الطاهرة “اللي ما تتسماش”.. مراتك!

24
مقالات ذات صلة