غزوة "الفراخ"

الأربعاء 2018/02/07

شكّلت حالة الجدل التي سادت في مصر، خلال الأيام الماضية عقب ما يمكن تسميته بـ”غزوة الفراخ”، نموذجا صارخا لثقافة متدنية جدا من التعامل مع طرح فراخ مجمدة في السوق المحلية بسعر رخيص، سواء من حيث صلاحيتها للاستهلاك، أو من حيث استمراء البعض في التشكيك في أي جهد حكومي لتخفيف الغلاء، أو محاربة سياسة الاحتكار على الأقل.

وربما كان أحد عيوبنا المصرية ـوأيضا العربيةـ أننا في الوقت الذي نشكو ونصرخ ونلطم من غلاء الأسعار، إلا أننا بالمقابل نتشكك في أي سلعة رخيصة السعر، وننهال بالويل والثبور وعظائم الأمور على الحكومة والدولة والمسؤولين، ننتظرهم يفعلون شيئا، في الوقت الذي نقف سلبيين جدا أمام أي ظاهرة استغلال، ولا نعرف كأي شعب متحضر كيف نرسي ثقافة المقاطعة الشعبية لوقف احتكار أو استغلال التجار كما يحدث في معظم دول العالم.

“غزوة” الفراخ الأخيرة، على غرار مسلسل الغزوات التي اتبعها تنظيم الإخوان وميليشياته المتأسلمة وأذرعه الإعلامية، كنوع من التنغيص والمناكفة السياسية، تم الترويج لها بعناية كالعادة ضمن حملة تخويف وترهيب نفسية شديدة، لا تقل عن جرائم القتل والإرهاب على الأرض، بالتوازي مع ادعاءات بمتاجرة الحكومة بأوجاع الناس، ولا مانع من ربطها بخبث مع “مولد” الانتخابات الرئاسية، وأيضا دخول المحتكرين على الخط حفاظا على قبضتهم التسويقية ومصالحهم، والتشدّق بأن الدولة تحارب المنتج الوطني.

صحيح أن الحكومة تتحمّل جزءا من المسؤولية، لأنها لم تعلن بشفافية عن أنها استوردت هذه الفراخ المجمدة دون جمارك وطرحتها في الأسواق لكسر احتكار التجار وابتزازهم، فيما اكتفت تصريحات مسؤوليها بمنطق الدفاع ونفي الشائعات، كأنها الجانب الضعيف في صياغة الطمأنة المطلوبة للناس، وصحيح أن الإعلام تعامل في البداية بمنطق “اللي على رأسه بطحة” باعتبار أن هذا جزءا من الصراع على نسبة المشاهدة والتفاعل، ولكن تدريجيا بدأت الزوبعة في الانحسار، وبات الإقبال الشديد ضربة موجعة تنفي حالات التسمّم أو الفساد، والأهم فعليّا لجوء المحتكرين لخفض أسعار منتجاتهم بشكل واضح أنعش المواطن البسيط ولو مؤقتا.

هنا الخلاصة من مثل هذه الأزمات التي تتكرر دون أن نتعلم منها أو نستعد لها، لأننا لم نفهم بعد أن حالة التربص تلك لن تنتهي ببساطة، وأنه مثلما هناك تاجر جشع يستغل الأوضاع وربما يفتعلها، لا بد أن يكون هناك مسؤول سياسي “عميق” يدير الأزمة، وقبل كل ذلك، لا بدَّ من ثقافة شعبية لا ترضخ للابتزاز أو الترهيب أو الاحتياج.

24