غزوة الكونغرس والطالح العام

المشهد ليس سياسيا كما قد نعتقد. فلا طائل سياسيا منه ولم يكن ليحقق شيئا. هو أبعد من ذلك بكثير.
الجمعة 2021/01/08
تورط جماعي

لم ننم جيدا هذه الفترة، طيلة ليالي ترامب المثيرة. أيامه كذلك مثيرة مثلها، لاسيما تتويجه لها بـ”غزوة الكونغرس”، التي هاجم فيها مؤيدوه رمز الديمقراطية الأميركية، واقتحموه وأهانوا هيبته بكل ما أوتوا من أفكار عجيبة.

المشهد ليس سياسيا كما قد نعتقد. فلا طائل سياسيا منه ولم يكن ليحقق شيئا. هو أبعد من ذلك بكثير. ولا يتوقف عند حدود اليمين واليسار والبيض والمهاجرين وبقية القصص التي باتت معروفة. نحن في لحظة يلتقط فيها من شاهدناهم على الشاشات السلفيات لأنفسهم وهم يرتكبون جرما من درجة الأعمال الإرهابية في قلب واشنطن وتحت قبة الكابيتول، كانوا يبتسمون للكاميرات، سعداء وفخورين بما يفعلون. ومن خلفهم زعيم يشجّعهم على ذلك ويصفهم بالعظماء.

هنا التحوّل. التورط الجماعي طواعية في سلوك مخالف للقوانين والأعراف. لم يفكروا حتى بكورونا والعدوى والكمامات. ناهيك عن المساءلة القانونية وخدش رمزية المكان الضخم ومعالمه التاريخية المقدّسة في الوجدان الأميركي. “مرمطوا” ذلك كلّه، وحطموا بقبضاتهم زجاجا قد يكون سلم من كل الحروب والأحداث لقرون مضت.

ما علّمنا إياه التاريخ أن القادة يعملون للصالح العام. وأن الأمور، صالحها وطالحها، تقاس بالمنجزات. وقد أنجز زعيم مقتحمي الكونغرس كل ما بوسعه من أجل أن يحظى بإعجاب الشعب، اقتصاديا وسياسيا وسوى ذلك. لكني أشعر به الآن، وهو يقول ما الفارق بين الصالح والطالح لدى الناس؟ سواء كنت مثل أوباما أو مثل غيره؟ ما الفرق؟ في النهاية هناك لعبة أخرى لم يبدُ أنه استوعبها. فالمنطق يقول إنك إن خدمت المواطنين ورفعت من مستوى معيشتهم وجلبت لخزينة الدولة مئات المليارات وخفضت نسبة البطالة، فإنك ستحصل على مكافأة. لكن هذا لم يحصل في حالة ترامب.

دعونا لا نعقّد الأمور. ولنذهب إلى ما وراء ذلك كله؛ إنه “العناد” وهو كما يصفه البعض “أمرٌ يحدث حين تحاول الإرادة إقحام نفسها في موضع العقل”. الإرادة وحدها لا تكفي للقول إننا نمشي على طرق سليمة. العقل هو السيّد دوما ولا سيّد غيره. هو من يضع التقاليد وهو من يصونها. والدنيا بلا تقاليد معارك مستمرة بين كل الأطراف. ومن يضع لنا تلك التقاليد سوى من يجب الاعتراف بأنهم “الآباء المؤسسون” في كل شأن. في الآداب والأخلاق العامة والسياسة والعلم والمجتمع. وكان من أبشع ما فعلته الحداثة وما تلاها قتل وتدمير أولئك الآباء، ظنّا من الأجيال الجديدة أن “قتل الأب” قاعدة يجب أن تطبّق في كل ميدان، فضاعت بوصلة البشر. باتت تدور وتدور ولا تميّز الاتجاهات، فكلّنا في الهمّ غربٌ وشرق.

24