غزو إخواني لأوروبا تحت ستار العمل الدعوي

الخميس 2014/07/10
جماعة الإخوان تسيطر على عدد كبير من مساجد باريس

بدأ التغلغل الإخواني في القارة الأوروبية مع خمسينات القرن الماضي حيث كانت وجهة بعض الإخوان الفارين من القمع في بلادهم العربية وقد توسع هذا الوجود وبدأ يأخذ أبعادا أكثر تنظيما غبر مؤسسات خيرية ومنظمات دينية تخطط لتكون جزءا مؤثّرا وخطيرا في تركيب الوجود الإسلامي المعاصر في أوروبا.

كيف نفسر أن أوساطا دينية، من الشرق الأوسط إلى أوروبا، قد اجتمعت باختلاف اتجاهاتها على طريقة واحدة في التعبير عن انتمائها للدين الإسلامي؟ لماذا تجد مثل هذه الاصطلاحات الدينية الآتية من الشرق صداها لدى شباب مسلم نشأ وتعلم في أوروبا؛ حيث إن أغلبهم من المتحولين دينيًّا؟ إلامَ يرجع نجاح هذا التنظيم في الأوساط الإسلامية الأوروبية وخاصة الفرنسية؟كيف نفسّر الرواج الذي تلاقيه جماعة الإخوان المسلمين بين الشباب على الرغم من التنديد بها؟

تساؤلات كثيرة يطرحها الباحث سمير آمغار، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، في دراسته “الإخوان المسلمون في أوروبا: دراسة تحليلية لتنظيم إسلامي” التي تستقصي بالتحليل الإسلام “النضالي” الذي أوفده الإخوان المسلمون إلى أوروبا، والذي يسعى للانتشار منذ عدة أعوام وسط بعض شرائح المجتمع الإسلامي بها. بمعنى أكثر دقة، يتعلق الأمر بتتبُّع سجلات الدعوة لحركة هي من صميم حركات إعادة الأسلمة من خلال تحليل المناخ النفسي والأيديولوجي لتلك المجموعات، وذلك عبر دراسة لأدوات التعبئة والتنشئة التي تستخدمها لحشد شباب الجاليات المسلمة في أوروبا.

يرصد آمغار في دراسته، الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، ترجمة دينا محمد، ثلاثة تيارات تعبِّر عن الإخوان المسلمين في أوروبا، وهذه التيارات هي: المستقلون والمعارضون والأعضاء العاملون.

* المستقلون: هم أول فئة من الإخوان المسلمين، وهي فئة مكوَّنة من هياكل أو شخصيات لا تنتمي بأي شكل من الأشكال إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولكنهم يستلهمون أفكاره في أسلوب عمله وتنظيمه وخطابه على غرار “رفاق الطريق” الداعمين للحزب الشيوعي الفرنسي. إنهم يتحركون كفاعلين مستقلين. والمثال المطروح غبّ هذا السياق، طارق رمضان؛ فعلى الرغم من انتمائه إلى عائلة تنتمي رسميّا إلى الجماعة الأم في مصرفإنه، على عكس شقيقه هاني، رفض أن يدين لها بالولاء مفضلا الاحتفاظ باستقلاليته مع استمراره في الانتماء إلى التيار الإخواني. ويمكن أن نعتبر أن “اتحاد شباب المسلمين” في فرنسا يندرج تحت هذه الفئة.

ثلاثة تيارات تعبر عن الفكر الإخواني
◄ المستقلون

◄ المعارضون

◄ الأعضاء العاملون

* فئة “المعارضين” هي الفئة الثانية المكوِّنة للسديم الإخواني وهي مكوَّنة من شخصيات وتنظيمات قررت الخروج عن الاتجاه السياسي المهيمن للإخوان رغم انتمائها للتنظيم الدولي. وهم يعرفون في الواقع بنقدهم الشديد لبنية الجماعة التي يعتبرونها ثقيلة وبيروقراطية.

لكن، هنا، يجب التمييز بين نوعين من المعارضين؛ النوع الأول: هو الذي مازال ينتمي إلى التنظيم، ولكنه يعارض طريقة عمله وتوزيع السلطة بداخله، كما هو الحال مع عبدالعزيز باغزّة، مؤلف كتاب “ممنوع دخول الكلاب والنساء المحجبات” (Entrée interdite aux chiens et aux femmes voilées).

والنوع الثاني يمثل شخصيات قررت الانفصال عن الجماعة وتكوين تنظيمات منافسة، وهم لا يعارضون الأسس والأهداف الأيديولوجية للتنظيمات الإخوانية، وإنما أشكال عملها وأساليبها، ولأنهم لم يستطيعوا “تطهير” التنظيم فقد قرروا تركه. لقد أسس عدد من “المحبطين” من أداء اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا (UOIF)، على رأسهم حسن فرسادو العضو السابق في الاتحاد، “الاتحاد الإسلامي” (UAM93) في عام 2001، ضامّين إليهم تسعة من أهم مساجد مقاطعة سين-سان-دوني بالإضافة إلى أربع عشرة جمعية مؤيدة لهم.

* الفئة الثالثة هي فئة الأعضاء العاملين، وهي مكوَّنة من شخصيات وجماعات تتبع الجماعة الأم بمصر، ويخضعون لسلطة المرشد العام الذي أقسموا له بالولاء. ويمكن تشبيه نشاطهم بنشاط الفروع التجارية ذات حق الامتياز؛ بمعنى أنهم يلتزمون بالمبادئ العامة لأيديولوجيا الإخوان المسلمين، لكنهم يحتفظون باستقلاليتهم في تطبيق فكر الإخوان. مثال على ذلك الحزب الإسلامي “حركة مجتمع السلم” بالجزائر، الذي يرأسه أبو جرة سلطاني. ويعتبر “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”، ومقره الرئيسي بروكسل، ممثل الإخوان في أوروبا.

الإخوان وضعوا ثلاث استراتيجيات من أجل تحديد مكانتهم في الحياة السياسية الأوروبية


500 مؤسسة


يستعرض الباحث بنية التنظيم الهرمي للجماعة في أوروبا حيث أن العمل الدعوي للإخوان المسلمين في أوروبا مكَّنهم من تأسيس خمسمئة مؤسسة في ثمانية وعشرين بلدا أوروبيّا، وذلك عن طريق "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي يقع مقره في بروكسل.

يتوقف الباحث عند أبرز المنظمات والمؤسسات التي تشكل واجهات للجماعة، وتتفرع عنها عشرات الجمعيات، منها “الجماعة الإسلامية في ألمانيا(GID) ، التي تأسست عام 1958، الفرع الألماني للإخوان المسلمين في أوروبا الذي أسسه سعيد رمضان عام 1958، ويرأسه حاليّا الألماني المصري الأصل ابراهيم الزيات، الذي يرأس أيضا “المركز الإسلامي” بميونخ، وهو منسق أنشطة الندوة العالمية للشباب الإسلامي بأوروبا، كما أنه عضو بمجالس إدارات معظم الهيئات التابعة للإخوان المسلمين (مثل هيئة الإغاثة الإسلامية في برمنغهام ببريطانيا والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في بورغون بفرنسا).

أما “رابطة مسلمي بلجيكا”(LMB) القناة التاريخية للحركة في بلجيكا، فهي مُمثلة جماعة الإخوان المسلمين هناك، وأسَّست الرابطة عام 1997. وتملك الهيئة عشرة مساجد ومقرات بعدة مدن منها بروكسل وأنڤير وغراند وڤرڤييه، ويديرها كريم شملال من مدينة أنڤير، وهو من أصل مغربي يعمل طبيبا في مجال علم الأحياء.

وتمثل جماعة الإخوان المسلمين في هولندا، “رابطة المجتمع المسلم” التي أسسها في لاهاي يحيى بوياف المغربي الأصل عام 1996. وتضم الرابطة عدة منظمات منها على وجه الخصوص “مؤسسة اليوروب تراست نيديرلاند”(ETN) و”المعهد الهولندي للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية”.

أما “الرابطة الإسلامية في بريطانيا”(MAB) فهي مُمثلة الإخوان المسلمين هناك. وقد أنشأها كمال الهلباوي عام 1997، وقد ظل الهلباوي لوقت طويل ممثلا للإخوان المسلمين في أوروبا، قبل أن ينشق عن الجماعة، ثم تولى إدارة الرابطة الإسلامية في بريطانيا أنس التكريتي العراقي الأصل وأستاذ الترجمة بجامعة “ليدز″، وذلك حتى عام 2005. وقد تولى الإخوان المسلمون إدارة مسجد فينسبيري بارك تحت رعاية الحكومة البريطانية.

ويعتبر”اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا” (UCOII)أيضا الممثل الرسمي للإخوان المسلمين في إيطاليا، وقد تأسس عام 1990، ويديره محمد نور داشان السوري الأصل. ويضم الاتحاد ما يقرب من مئة وثلاثين جمعية، ويتحكم في ثمانين بالمئة تقريبا من المساجد في إيطاليا، كما يمتلك الاتحاد فرعا ثقافيّا وفرعا نسائيّا وآخر شبابيّا.

قرر الإخوان منذ أعوام نقل مقرهم من بريطانيا إلى بروكسل بهدف التقرب من المؤسسات الأوروبية وتشكيل جماعات ضغط

ويلفت الباحث إلى أن المنظمات الإسلامية في أوروبا تنقسم إلى نوعين؛ الأول: هو منظمات أو جمعيات عامة تتولى الأنشطة الدينية والاجتماعية والتعليمية، وتربطها علاقات تختلف في قوتها بجماعة الإخوان، فهي إما جمعيات دعوية، وإما جمعيات متعاطفة، وإما جمعيات منتمية بشكل رسمي للإخوان المسلمين. والنوع الثاني: كيانات أخرى أكثر تخصصا مكمِّلة لشبكة الدعوة الإخوانية، مثل جمعيات الشباب والطلاب “جمعية الطلبة المسلمين” وجمعيات المرأة “المنتدى الأوروبي للنساء المسلمات” وجمعيات إنسانية “الإغاثة الإسلامية” وجمعيات فلسطينية “لجنة إغاثة ودعم فلسطين”، وجمعيات طبية “ابن سينا”.


من هم أعضاء الحركة وكوادرها


يشير آمغار إلى أن الفرع الأوروبي للإخوان المسلمين يتسم بضعف إنتاجه التنظيري. وعلى الرغم من تنظيمه للعديد من المؤتمرات حول ضرورة المواطنة الإسلامية، فإنه يفتقر إلى المفكرين برغم الخلفية الجامعية المحترمة لكوادره، مع وجود بعض الاستثناءات مثل طارق أوبرو؛ صاحب العديد من الكتابات عن شريعة الأقليات ومؤلف كتب “قانون الله، قانون البشر.. الحرية والمساواة والمرأة في الإسلام” بالاشتراك مع الأستاذة الجامعية ليلى بابس وطارق رمضان الأستاذ بجامعة أوكسفورد.

ويتساءل آمغار: من هم أعضاء الحركة وكوادرها اليوم؟ ويجيب عن تساؤله قائلا: من وجهة نظر اجتماعية، فإن الكوادر هم مغاربة ومشارقة هاجروا إلى أوروبا؛ إما من أجل الالتحاق بالدراسات العليا، وإما من أجل الفرار من القمع السياسي في بلدانهم. وفي فرنسا، فإن معظمهم من المغاربة، وقد عرفوا في المدينة الجامعية في بوردو حين كانوا لا يزالون طلابا جامعيين.

وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف يقدم مشروع قانون لتشديد قوانين مكافحة الإرهاب وخصوصا لمنع توجه الشبان للجهاد في سوريا

ويحظى معظم المسؤولين في التنظيم بمستوى تعليم عال، وهم يمثلون بشكل ما “البرجوازية المتدينة” المكوّنة للحركة الإسلامية، التي تحدث عنها جيل كيبيل في كتابه “جهاد، انحدار وازدهار الإسلام”. وهم يتقاسمون عدة نقاط مشتركة مع الإسلاميين المصريين والمغاربة: نفس المفهوم المتشدد للإسلام، نفس التعليم الجامعي في مجال العلوم الدقيقة، غياب التعليم الديني الأكاديمي، بالإضافة إلى العلاقات الشخصية مع شخصيات إسلامية بارزة. وفي حين أن هؤلاء الكوادر قد نشأوا في المغرب أو في المشرق، فإن هناك فئة أخرى من المؤيدين للفكر الإخواني تشكل جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، وهي تتكون من شباب مهاجرين وُلدوا في القارة القديمة ومعظمهم من طلبة الدراسات العليا. وهم يجدون في نشاط الجمعيات الإسلامية بديلا عن العمل السياسي أوالنقابي، وبالنسبة إلى بعضهم، فإنهم يجدون تعبيرا جديدا عن علاقتهم بالدين، وأسلوبا جديدا في الاعتقاد وفي التعبير عن عبادتهم وانتمائهم الديني. يشكل هؤلاء القاعدة الاجتماعية للتنظيم.


ثلاث استراتيجيات


منذ عدة أعوام، وضع الإخوان المسلمون ثلاث استراتيجيات من أجل تحديد مكانتهم في الحياة السياسية الأوروبية، هي: “الزبونية” على المستوى المحلي، و”الإقحام” على المستوى الوطني، و”تشكيل جماعات الضغط” على المستوى الأوروبي.

وسيصبح التحدي بالنسبة إلى تلك المنظمات الناشطة من الآن فصاعدا هو إيجاد إمكانات جديدة لإظهار تدينها في الفضاء العام دون أن يُفسَّر ذلك على أنه معارضة للقيم الأوروبية. وعلى المستوى الأوروبي، قرر الإخوان المسلمون منذ عدة أعوام نقل مقرهم من بريطانيا إلى بروكسل بهدف التقرب من المؤسسات الأوروبية وتشكيل جماعات ضغط.

الإستراتيجية الثانية التي طورتها الحركات الإسلامية هي “الإقحام”. فلم يخفِ الفرع البريطاني للإخوان أثناء انتخابات المحليات الأخيرة علاقاته بحزب “العمل”(خصوصا بعمدة لندن كين ليفينغستون)، وبحزب “الاحترام” اليساري بلندن، وأيضا بحزب “الخُضر” في بريطانيا وويلز بجنوب إنكلترا. وقد ترشح أنس التريكيتي، أحد مسؤولي جماعة الإخوان ببريطانيا على قائمة حزب “الاحترام” في انتخابات عام 2004 الأوروبية دون أن يتم انتخابه. بيد أن الإستراتيجية الجديدة يمكن أن تؤتي ثمارها؛ فهناك عضو سابق باتحاد الطلاب المسلمين بفرنسا يشغل حاليّا منصب نائب عمدة “ران” بفرنسا، كما نجح أحد الإخوان المسلمين في الانتخابات النيابية على قائمة “الخُضر” في السويد. ولا يخفي فريد عبدالكريم، المقرَّب من “اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا”، طموحه في الفوز بانتخابات المحليات القادمة بمدينة نانت عام 2014.

7