غزو الروبوتات: الحياة ستصبح غير صالحة للعيش

تختلف المقترحات المقدمة لكنها تتفق على نفس المبدأ، فبينما تصبح الآلات والخوارزميات أكثر ذكاء، ستحل قريبا محل حصة كبيرة من القوى العاملة. ومن المتوقع أن تُوفر ضريبة الروبوتات الأرباح لإعادة تدريب العمالة المشردة، أو تُزويدها بدخل أساسي.
السبت 2017/03/04
الروبوتات مملوكة للأغنياء

لندن - قد يبدو الأمر غريبا، لكن عددا من الشخصيات البارزة بدأت طرح هذا السؤال مؤخرا، وبدأت الدعوات إلى فرض “ضريبة الروبوتات” تنتشر مع تزايد المخاوف من تأثير الأتمتة (التشغيل الآلي).

وفي وقت سابق من هذا الشهر، ناقش البرلمان الأوروبي فرض ضريبة مُشابهة داخل دول الاتحاد الأوروبي، وقام بونوا آمون المرشح الرئاسي للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يصفه البعض بأنه النسخة الفرنسية من الأميركي بيرني ساندرز، بإضافة ضريبة الروبوتات إلى برنامجه الانتخابي، حتى بيل غيتس نفسه دعم الفكرة.

يكمن الخبر السار في أن عصر الروبوتات لم يبدأ بعد، ورغم التدفق المستمر لعناوين الصُحف المفزعة عن أجهزة الكمبيوتر الذكية التي ستلتهم وظائفنا تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الأتمتة لم يبدأ العمل بها على نطاق واسع بعد. أما الخبر السيء فهو أن بداية ذلك العصر ستُنتج مستوى من اللامساواة يجعل من أميركا المعاصرة تبدو مدينة فاضلة قائمة على المساواة مقارنة به.

الخطر القادم

التهديد الحقيقي الذي تمثله الروبوتات لا يتمثل في كونها ستُصبح شريرة وتقتلنا جميعا، وهو الأمر الذي يُبقي رجل الأعمال والمخترع إيلون ماسك ساهرا ليلا، ولكن يتمثل في قيام الروبوتات بتضخيم الفوارق الاقتصادية إلى حد سيجعل الحياة غير صالحة للعيش بالنسبة إلى الغالبية العظمى. وقد تنجح سياسة ضريبة الروبوتات أو تفشل كأداة لتجنب هذا السيناريو. لكنها نقطة انطلاق جيدة لفتح محادثة هامة حول هذه القضية المحورية. فالتشغيل الآلي الشامل يشكل مشكلة سياسية خطيرة تستدعي حلولا سياسية جادة.

الأتمتة ليست فكرة جديدة، ففي أواخر القرن الـ16، طور مخترع إنكليزي آلة الحياكة. حينها كان العمال ينتجون قرابة 100 غرزة في الدقيقة الواحدة. وباستخدام الماكينة أصبح بإمكانهم إنتاج ما يعادل 1000 غُرزة، وهذا هو النمط الأساسي الذي يتكرر على مر القرون؛ فمع تطور التكنولوجيا، يقل عدد الأيدي العاملة المطلوبة لإنتاج كمية معينة من السلع.

ولكن حتى الآن، لم تنتج هذه الظاهرة أزمة بطالة كبرى. ذلك لأن الأتمتة يمكن أن تدمر فرص عمل، وتخلق أخرى في الوقت نفسه. أحد الأمثلة الحديثة صرافو البنك؛ لقد ظهر جهاز الصراف الآلي في 1970، لكن أعداد الصرافين الكلية زادت منذ ذلك الوقت. فبعد أن خفّضت ماكينات الصرف الآلي من تكاليف تشغيل الفروع، فتحت البنوك فروعا أكثر، وهو ما أدى إلى زيادة أعداد الصرافين ككل. وتغيرت المهام الوظيفية للصَرَّافين، فأغلب مهامهم اليوم تعتمد على إقناع العملاء بالخدمات المالية الجديدة بدلا من توزيع النقود، لكن الوظيفة مازالت موجودة.

الخيال العلمي المروع بات قريبا جدا: العمال سيتعفنون

قد يكون الحديث الدائر عن الذكاء الاصطناعي مبالغا فيه بعض الشيء، لكن هناك العديد من التطورات الهادفة التي حدثت على مدار السنوات الماضية، ولا يسعنا سوى أن نتوقع أن اكتشافات أكبر تلوح في الأفق في السنوات المقبلة، وبدلا من تعديل المهام الوظيفية، قد تبدأ التكنولوجيا في القضاء على الوظائف من الأساس، وبدلا من قيام التكنولوجيا بخلق المزيد من الثروات بأيد عاملة أقل، قد ينجح التشغيل الآلي في خلق ثروات أكبر من دون أيد عاملة على الإطلاق.

ما المشكلة إذا في تكوين ثروةٍ من دون أيد عاملة؟ الأمر يعتمد على من يمتلك هذه الثروة.

في ظل الرأسمالية، يحصل العاملون على أجورهم كحِصةٍ من قيمة ما يُنتِجونه، وهذه الحصة صغيرة على الدوام مُقارنة بالعوائد التي تتدفق على أصحاب رؤوس الأموال.

وعلى مدى العقود الماضية، بدأت هذه الحصة تزداد صِغَراً، فتقلصت حصة الدخل القومي التي تذهب إلى الأجور بشكلٍ مطرد، في حين أن حصة رؤوس الأموال ازدادت، وبينما نجحت التكنولوجيا في جعل العمال أكثر إنتاجية، ذهبت الأرباح إلى المالكين وليس إلى العاملين. وازدادت الإنتاجية بنسبة 80.4 بالمئة بين عامي 1973 و2011، لكن متوسط العائد الحقيقي الذي يحصل عليه العامل في الساعة ازداد بنسبة 10.7 بالمئة فقط.

ورغم سوء الأوضاع، يُهدِّدِ التشغيل الآلي الشامل بجعل الأوضاع أسوأ. وإذا كنت ترى أن اللامساواة هي مُشكلة مُعاصرة الآن، تَخيل عالما يُصبح فيه الأغنياء أكثر ثراء دون الاعتماد على بشر. تحرر رؤوس الأموال من الأيدي العاملة لا يعني فقط نهاية العمل، بل نهاية الأجور أيضا. ومن دون الأجور سيفقد العاملون وسيلتهم الوحيدة للحصول على الثروة، فضلا عن ذكر وسيلتهم الوحيدة للبقاء. كما سيفقدون أيضا مصدرهم الأساسي للسُلطة الاجتماعية. فطالما كان العمال يتحكمون في مرحلة الإنتاج، كان بإمكانهم إيقافها في أي وقت. ودائما كانت الإضرابات أقوى سلاحٍ يمتلكه العمال، غير أن اقتصادا يعتمد بالكامل على التشغيل الآلي لن يجعل العمال فقط زائدين على الحاجة؛ بل سيحرمهم من قوتهم أيضا.

العاصمة الروبوتية

تهدد العاصمة الروبوتية بجعل النخبة فئة منفصلة تماما عن المجتمع. ويسعى الأغنياء طوال الوقت بالفعل إلى تكريس قدر كبير من الوقت والنفقات لعزل أنفسهم عن الآخرين من الطائرات الخاصة إلى الجُزر الخاصة، لكن حتى أفضل الملاجئ الفاخرة المُحصنة ليست بمنأى عن العالم الخارجي، فالنخبة متصلة بالطبقات الأخرى طالما يحتاج رأس المال إلى الأيدي العاملة لإعادة إنتاج نفسه. ولكن التشغيل الآلي الشامل سينجح في قطع هذا الاتصال. وهو الأمر الذي سيسمح للنُخبة بالانغلاق على نفسها داخل جنة ذات أسوارٍ عالية، محصنة بدعم لا محدود من الثروة التي لا تعتمد على العمال، تاركة الجماهير العاطلة عن العمل تتعفن.

وإذا لم يكن هذا السيناريو قاتما بما فيه الكفاية، فتخيّل احتمال ألا يقود التشغيل الآلي الشامل فقط إلى إفقار الطبقة العاملة، ولكن إلى إبادتها.

ففي كتابه “Four Futures: Life After Capitalism”، توقَّع بيتر فرايز أنَّ الجحافل التي ليست لها أهمية اقتصادية خارج أسوار وأبواب منتجعات النخبة لن يتم التساهل معها فترة طويلة. فهذه الجحافل ستفقد صبرها مع الوقت، وهو ما سيجعلها تثور. وكتب فرايز “ماذا سيحدث عندما تشكل هذه الجموع خطورة على النخبة دون أن تكون طبقة عاملة ذات أهمية للحاكمين؟ سيتوصل أحد في نهاية المطاف إلى فكرة أنه من الأفضل التخلص منها”.

ومنح فرايز هذا المستقبل اسما مخيفا ملائما من وجهة نظر كثيرين “الإبادة الجماعية”، عالم به “حرب إبادة جماعية يمارسها الأغنياء بحق الفقراء”.

الروبوتات تحل محل البشر في وظائفهم

قد يبدو هذا المستقبل المرير خيالا علميا، لكنه مستقبل معقول بالنظر إلى المسار الحالي للعالم. ستستمر التكنولوجيا المتعلقة بالروبوتات والذكاء الاصطناعي في التحسّن، لكن دون تغيير سياسي جوهري ستتراوح النتائج بين السيء والمأساوي بالنسبة إلى الغالبية العظمى. لذلك علينا أن نأخذ المُطالبات الأخيرة بفرض ضريبة الروبوتات على محمل الجد. فهي توفر فرصة لتكوين رد فعل سياسي على قضية التشغيل الآلي الشامل الآن، قبل فوات الأوان.

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن المُفكر اليساري البارز مات بروينغ قوله إنه مهما حاولنا أن نفعل، علينا ألا نُحاول إيقاف التشغيل الآلي.

وأضاف “مُشكلة الروبوتات لا تكمُن في تصنيعها وتشغيلها، فهذا أمر جيد بالنسبة إلى الإنتاج. المُشكلة هي أن هذه الروبوتات مملوكة للأغنياء، وهو ما يعني أن الدخل الذي سيعود على الروبوتات سيذهب بالكامل إلى شريحة ضئيلة من الأغنياء”.

بعبارة أخرى، هذه الروبوتات التي ستحل محل البشر في وظائفهم هي شيء جيد طالما تم توزيع عوائد تلك الوظائف على عموم الناس.

وأظهر تقرير أصدرته مؤسسة الإغاثة العالمية (أوكسفام)، في وقت سابق من هذا العام، أن أغنى 8 رجال في العالم يمتلكون ثروةً تعادل ما يملكه نصف الجنس البشري، ولك أن تتخيل شكل هذه الأرقام بعد أن يتطور التشغيل الآلي.

وفي وقت من الأوقات، سيُصبح بإمكان عدد قليل من المليارديرات التحكّم في نسبة 100 بالمئة من ثروات المجتمع. لذلك، فإنَّ فكرة توزيع الثروة بين الجموع بدلا من احتكارها بواسطة عددٍ قليل لا تبدو فكرة متطرفة، وما زال بإمكاننا إعادة توزيع الثروات ونحن في حاجة ماسة إلى ذلك، قبل أن تقتلنا جميعا رأسمالية الروبوتات.

18