"غسالة النوادر" الأيقونة المسرحية التي تنبأت بواقع تونس ومثقفيها

المثقف يتخلى عن قناعاته ويرتمي في أحضان السلطة والشعب ينخره اليأس.
الاثنين 2021/06/14
فاضل الجزيري وجليلة بكار ومحمد إدريس.. ثلاثة ممثلين يتنبأون بالمستقبل

منذ أيقونة المسرحيات التونسية "غسالة النوادر" لفرقة المسرح الجديد سنة 1980 والتي بثها التلفزيون التونسي مؤخرا إلى اليوم، يمكننا أن نتساءل هل تغير شيء في علاقة المثقف التونسي بالبرجوازية والسلطة في ظل سقوط القناعات؟ ألا تحكي المسرحية واقع اليوم المنبئ بالانهيار؟

إذا كانت مسرحية "غسالة النوادر" لفرقة المسرح الجديد تعتبر أيقونة المسرح التونسي، فإن ذلك ليس من فراغ، إنها العمل المؤسس للمسرح التونسي الحديث والمعاصر، ورغم مرور واحد وأربعين عاما على عرضها، فإنها تظل النافذة التي نظر منها الفنانون إلى مستقبل تونس من خلال قراءة ذكية للواقع والتاريخ وتحولاته، دون شعارات مفرغة.

جليلة بكار، محمد إدريس وفاضل الجزيري ثلاثة ممثلين على الخشبة تشاركوا كتابة النص وإنجاز العمل مع الفاضل الجعايبي والحبيب المسروقي، ليكون عملا جماعيا أنتج مسرحية انتقلت بالذائقة التونسية وحتى العربية إلى مصاف أخرى.

التنبؤ بالمستقبل

في جو بريشتي بامتياز رهانه التغريب والإيهام وفي سينوغرافيا مقتصدة وإضاءة قاتمة، قدمت “غسالة النوادر” ثلاثة ممثلين على الخشبة يلعب كل منهم أكثر من شخصية، وينفصل عنها ليلعب دور الحكواتي، ويكسر بالتالي عملية التماهي، لكن لن نتناول العمل من نواح فنية، على أهميتها، بل سنقاربه من ناحية استشرافيته.

تدور المسرحية حول جريدة الأخبار ومطبعتها التي تكرس نفسها في خدمة السلطة، وتمارس أشد أنواع التعسف على عمال المطبعة (الطبقة الكادحة من البسطاء) أمام صمت الصحافيين (طبقة المثقفين)، ومع احتجاج العمال والإضراب رغم تخوف آخرين على قوتهم، تغلق الجريدة ومطبعتها، ولكنها تنبعث بعد ذلك بعنوان جديد، وينقلب من كان ضدها، مثل للّا بية، إلى بوق من أبواقها.

تنجح السلطة إذن من خلال تلاعبها بالجميع مثقفين وغير مثقفين، برجوازيين وبسطاء متمردين، في تدجين من يقف ضدها أو محوه، تلك هي اللعبة التي أتقن العمل تعريتها من خلال قصة الجريدة وصاحبها “يوسف” الذي يخادع الجميع.

المسرحية تدور حول جريدة ومطبعتها وما يحدث من دسائس ومؤامرات في أروقتها في رمزية سياسية واضحة

الرمزيات كثيرة في العمل منذ بدايته بحالة المطر الخريفي التي قلبت البلاد رأسا على عقب، في رمزية للثورة، إلى رمزية الأسماء والحوارات، للّا بية الاسم الأرستقراطي، يوسف صاحب المؤسسة ورمز لرأس السلطة، صالح رئيس العمال المندفع والمتخاذل في آن واحد، السائق العروسي الذي يمثل الشعب البسيط المندفع والرافض والخادم مقتنعا بالسلطة الممارسة عليه لتحصيل قوته والذي لا يتخلف حتى عن تعنيف العمال المحتجين حماية لعمله.

اللعبة الجوهرية كانت بين للّا بية وسائقها العروسي المتزوج والأب البعيد عن عائلته، حيث حاولت إغواءه والتقرب منه بشتى الطرق حتى عبر إذلاله، حرضته على التمرد على يوسف، وهو زوج أمها، وحاولت كمثقفة برجوازية أن تقف إلى جانب البسطاء في المطر الخريفي الذي أغرق البلاد، وأن تكشف عن الفساد وتأخذ شهادات مواطنين لكشف الحقائق، فيما تصطدم برئيس تحرير الجريدة ومديرها، ولا ينشر تقريرها، تستمر لعبتها مع العروسي، إلى أن تخير الابتعاد حين يعلق هو في شباكها. الصورة إذن هي صورة مثقف يغوي البسطاء بالثورة، وما أن يثوروا حتى ينفصل عنهم ويرتمي في أحضان السلطة القديمة الجديدة.

يخسر العروسي كل شيء، وظيفته وقلبه وروحه، بعد إغوائه من طرف للّا بية التي تتزوج في الأخير من قريبها مدير الجريدة وتصبح إحدى الأذرع الرئيسية ليوسف في النسخة الجديدة من المؤسسة الإعلامية. إنها خسارة الشعب أمام إغواء الثورة التي يطلق فتيلها برجوازيون صغار وينخرط فيها العمال والبسطاء، لتنقلب ضدهم وتأكلهم.

المثقفون متهمون

Thumbnail

ما قدمته "غسالة النوادر" يوحي بما تعيشه تونس اليوم، ألم تنقلب الثورة على شعبها حتى بات يلعنها سرا وعلنا؟ ألم يأخذ البرجوازيون الصغار من النخب دعاة الثورة أماكنهم في السلطة الجديدة – القديمة؟ ومن دفع الثمن في النهاية؟ إنه الشعب الذي تجرأ ونزع ثوب الطاعة وتحدى الإذلال، إنه العروسي.

ربما يصح هنا كلام المفكر الفرنسي إيميل سيوران على الرغم من سوداويته في أن “الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد بل عليها أن تقلد ملامح النظام الذي قلبته وكذلك أجهزته وطريقة عمله”.

إغلاق الجريدة وفقدان العمال لوظائفهم، تخلي المثقفين عن البسطاء وارتماؤهم في أحضان البرجوازية حفاظا على مكاسبهم، فقدان العروسي البسيط لروحه وتحوله إلى مصدر خوف هائم في يأسه، هذا ما آلت إليه الأمور، وهو نفسه الحقيقة التي تتجسد في تونس منذ سنة 2011 إلى اليوم.

أعادت السلطة في تونس إنتاج نفسها في ثوب أسوأ مع تغلغل الحركات الدينية الأصولية، قامت بالحفاظ على قوت الخائفين ودبّرت قوتا لمن يمكن أن يثوروا من يساريين، وبالتالي أخمدت أي أمل في حراك ثوري جديد، أما الشعب البسيط فبقي يدور هائما في يأسه بعد أن ترك وحيدا في الشوارع شأنه شأن “عروسي” غسالة النوادر.

المطر الخريفي الذي قلب البلاد وأغرقها وأفاض مزاريبها وبالوعاتها بقاذوراتها، وأسقط البنى التحتية الهشة والآيلة للسقوط، هو نفسه الحراك الثوري الذي تنبأ به عناصر المسرح الجديد، والذي حدث بالفعل، كما تنبأوا بمآلاته، ليس في يأس من التغيير بل في نقد كبير لواقع الطبقة المثقفة من البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة أو اليسار الثقافي وغيره من دعاة الثورة، ألم يخن كل هؤلاء شعبهم بمختلف آماله وأحلامه وآلامه تحت نير القهر والإحباط والتسلط؟

نشاهد اليوم ما يحدث في تونس من فوضى طبقة سياسية تتناهش المكاسب في الأروقة، فيما نشاهد أناسا هائمين محبطين وحتى عنيفين بيأس في الشوارع، وأحياء شعبية يمارس عليها الترهيب والإذلال والقتل إن صرخ ناسها، هذا هو المشهد، منذر بخريف من نوع آخر، يعيدنا إلى بداية الحلقة، لكن هذه المرة بلا مثقفين، المثقفين الذين نتهمهم، وهم بدورهم تحت ضربات أخرى من قتل رمزي وتغييب وغيره، ما يجعلهم بلا فاعلية حتى لو أرادوا أن يفعلوا.

14