غسان الجباعي يستدعي تجارب السجن وانهيار الذاكرة

الخميس 2015/02/12
غسان الجباعي: صورة الدكتاتور حاضرة دائما في تلافيف الدماغ لا يمكن تجاوزها

دمشق - يصور الكاتب والمسرحي السوري غسان الجباعي، في روايته “قهوة الجنرال”، الصادرة عن “دار نون للنشر”، رحلة طويلة بين المعتقلات والسجون وبيوت البغاء السريّة، لتتداخل الحيوات بين معتقل سياسي وزوجة معتقل سياسي سابق، وتنتقل في الزمن السردي بين الماضي والحاضر وبين ما هو منطقي وما يتجاوز حدود المنطق.

حكاية رواية “قهوة الجنرال”، الحائزة على المرتبة الثانية في جائزة المزرعة التي تشرف عليها رابطة الكتاب السوريين في المنافي، بسيطة عن لقاء بين معتقل سياسي سابق وعاهرة كانت زوجة لسياسي سابق، يتبادلان الأحاديث والذكريات المختلفة لتتكشف في النهاية أن العاهرة هي زوجة زبونها، على بساطتها إلا أن الرواية لا تقدم الحكاية بهذا الشكل.

فنحن أمام أحجية سردية، تتداخل فيها الذكريات مع الواقع، تتخللها الهلوسات المختلفة، كل هذا مرسوم بلغة شعرية عالية، لنجد أنفسنا أمام لوحة يرسمها الوصف، بالإضافة إلى تقنية سردية تتداخل فيها الأصوات، فكل فقرة من الرواية هي صوت إما للسجين، أو للممثل المسرحي، أو للعاهر، الشخصيات تتحدث وكأنها في رأس القارئ كل منها تصب ما في جعبتها، لترسم عالما سورياليا، يتحدّى فيه الجسد وجوده، ويتحدّى طاقته على احتمال المكان الذي يتداعى، ليضحى الجسد على المحك في محاولة للنجاة.


رؤية ضبابية


الرؤية ضبابية في الرواية، وكأننا نرى بأعين السجين، الذي تتداعى في رأسه الذكريات، وأعين البغي التي باعت جسدها، الحكاية تتداعى أثناء السرد لنرى أنفسنا أمام شذرات وومضات، وكأن القصة تمشي بإيقاع ضربات الجلاد، التي تشتدّ وتخفت، تارة تكون كالهسهسة، وتارة أخرى كالصراخ.

يصوّر الجباعي تفاصيل الاعتقال، لنرى حالات الجسد وهو يتحوّل ويمسخ، وانعكاس هذه الروح التي تحاول الانعتاق، فالإنسان مهما ضاقت عليه الجدران والغرف ما زال قادرا على التخييل.

الشخصيات تتحدث وكأنها في رأس القارئ، كل منها تصب ما في جعبتها لترسم عالما سورياليا

الخيال بوصفه مهربا، بوصفه أكثر كمالا من الواقع القادر على استنفاد كل ما هو إنساني في البشر، ولا تقتصر المعاناة على أولئك الموجودين داخل السجون، فالبغي التي فقدت جسدها في سبيل زوجها، تتحول إلى ما يشبه الهواء، يتبادله الجميع، وحتى الجنس الذي تمارسه مع زبونها/ زوجها، يستدعي ذكريات ذاك الجسد الآخر.

الجباعي يستدعي معاناة زوجة المعتقل، زوجة أحد مجهولي المصير، فهي التي تتحمل نتائج غيابه، هذا الغياب القسري الذي سببه الأفكار، الزوج في السجن، المسرحي نراه يحاول في البداية أن يرى المكان كخشبة لمسرحية كبيرة، إلا أن الوهم الذي يخلقه المسرح، حتى لو كان المعتقل ممثلا أو شاعرا يتبدّد أمام سطوة الاعتقال والتعذيب والجوع وتكدس الأجساد، والأحلام التي تكون عزاء في البداية تتحوّل إلى جحيم.

تطرح الرواية أيضا المفارقة، بين من هم في الداخل ومن هم في الخارج، ليصبح الوطن أشبه بسجن كبير، الجميع فيه مكبل، الكل مهان ويتعرض للذل بشتى الأوجه، ليكتسب المكان شعرية جديدة، فهو حاضر بوصفه الثابت الوحيد، وهو الذي يخضع ضمنه الجسد للتحوّلات، سواء فضاء السجن، أو فضاء منزل البغاء، أو حتى الوطن، فهناك قيود وقضبان وهمية قادرة حتى على حبس طيور السماء، أما الجلاد المجنون، فهو حي، يتحكم في المصائر ويفرض سيطرته على الجميع، هذا ما يشير إليه جباعي في حديثه عن حافظ الأسد، الصنم المهيب الحاضر دائما، لا يهم إن كان ميتا أو حيا، المهم أنه موجود.

كابوس طويل عن الاعتقال والقمع


القمع والذاكرة


المعضلة التي تبدو في الرواية مرتبطة بالذاكرة، وقدرة الأنظمة القمعية على اغتيال الذاكرة وترويضها وتدجينها، فصورة الديكتاتور حاضرة دائما في تلافيف الدماغ، لا يمكن تجاوزها، فأعين الديكتاتور في كل مكان، الكل في خدمته، الشعب يتحول إلى كائنات هجينة مشوهة بالخوف و مشوبة بالفقدان، فالدسائس تحاك دائما، والمكان يتبدد ليصبح أكثر هلاميّة، فأبوأنس/ السجين بعد خروجه من السجن يتوه عن منزله في العاصمة دمشق بحكم ذاكرته التي تعرضت للتجريف إثر تجربته في المعتقل.

تجربة الاعتقال والكتابة عنه تعتبر من المحاولات العلاجية لما شهده المعتقل من ويلات في السجون، وهذا يبرز في السرد، في الحديث عن الضوء والعتمة، هذه الثنائية يتكرر ذكرها في الرواية، فالسجين يمثل الظلام له اغتيالا لوجوده، فحالة اللاجدوى ومقاربة الموت التي يشهدها في سجنه مرتبطة بالظلام، الذي يعيد تحديد علاقة السجين مع نفسه ومع من حوله من سجناء، ليتحول السجن بظلامه إلى قبر والسجين مدفون حيا لكنه واع بما يمرّ به.

تجربة مريرة تلك التي يمرّ بها السجين تدفع حدوده العقلية والجسدية إلى أقصاها، ويتضح هذا في لغة غسان جباعي التي نراها تحاول أن تتقمص كل لحظة سواء في السجن أو خارجه، وكأن التجربة تعيد تكوين العقل، ليصبح النور أساسا، حينها لا بد من لغة جديدة قادرة على إعادة الاعتبار للجسد/ النص الذي تعرض للتهتك، وتتضح الإشارات إلى السوريالية في متن الرواية، وكأن السوريالية هي الأقدر على التعبير عن تجربة اللاواقع التي يعيشها المعتقل/ الكاتب.

14