غسان عطاالله عونيٌ يعبث بملف المهجّرين ويروّج لنسيان اغتيال الحريري

منح غسان عطاالله مقعدا وزاريا في الحكومة اللبنانية يكرس معادلة إعطاء الخاسرين في الانتخابات النيابية "جائزة ترضية" تتمثّل بتوزيرهم في أول حكومة تتشكل بعد الانتخابات.
الثلاثاء 2019/02/19
غسان عطاالله خاسر في الانتخابات اللبنانية ووزير رغم أنف الفائزين

شكّل منح غسان عطاالله مقعدا وزاريا في الحكومة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري بعد تسعة أشهر من المماحكة واللجوء إلى معايير تخالف في الشكل دستور “الطائف”، مفاجأتين بالنسبة للمراقبين؛ الأولى تكريس مبدأ توزير الخاسرين في الانتخابات، هذا المبدأ الذي لم يطبقه إلا “التيار الوطني الحر” بدءا من العام 2009، عندما اشترط رئيسه آنذاك العماد ميشال عون توزير صهره جبران باسيل الذي كان خسر في الانتخابات النيابية في العام  2005، واللبنانيون لا ينسون الجملة الشهيرة التي أطلقها حينها “كرمال عيون جبران عمرها ما تتشكل الحكومة”.

 المفاجأة الثانية هي منح عطاالله حقيبة المهجرين، ما اعتبر “استفزازا”، مقصودا أو غير مقصود لا أحد يعلم، لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

لقد كرّس توزير عطاالله معادلة منح الخاسرين في الانتخابات النيابية “جائزة ترضية” تتمثّل بتوزيرهم في أول حكومة تتشكل بعد الانتخابات. علما أن عطاالله ترشّح على لائحة “التيار الوطني الحر” عن المقعد الكاثوليكي في دائرة الشوف- عاليه مقابل النائب نعمة طعمة الذي ترشّح على لائحة جنبلاط، وهذه قاعدة لم ينتهجها سوى “التيار الوطني الحر”.

سياسي بلا خبرات

إن تولي عطاالله حقيبة المهجرين تحديدا يعني أن هذا الوزير سيستغل أموال الوزارة لتعزيز وضعه الانتخابي، والتجربة الأخيرة لتولي وزير “معارض” لجنبلاط هذه الحقيبة كانت في الحكومة الماضية حين استخدم الوزير طلال أرسلان أموال وزارته لتعزيز وضعه الانتخابي في الجبل، لكنه فشل مع ذلك، لا بل إنه لم ينجح رغم كل الإمكانيات التي توفرت بين يديه لتأمين فوز عطاالله نفسه.

ولد عطاالله في بلدة بطمة القريبة من المختارة في قضاء الشوف في العام 1972 وهو حائز على دبلوم دراسات عليا في مختبر الأسنان من جامعة القاهرة، وهو الشريك المؤسس والمدير العام لشركة لمستلزمات طب الأسنان، وعضو في نقابة مختبرات الأسنان منذ العام 1998.

تصريحات عطاالله حول مظلومية تشوب "المصالحة" التاريخية التي عقدها جنبلاط مع البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس سفير، لا توحي بالطمأنينة ولا حتى بالنية الصادقة بإقفال الملف بالنسبة للمقيمين في الجبل، فكيف بالنسبة للذين لا يزالون "مهجرين"

كان عطاالله ناشطا في التيار “العوني” منذ العام 1992 وقد شارك مع عدد كبير من الرفاق منذ انطلاقة الحركة العونية في تنظيم وحضور العديد من النشاطات التي أقامتها الحركة قبل مأسستها وتحولها إلى حزب سياسي.

عيّن أمينا لهيئة قضاء بعبدا في “التيار”، وكان عضوا في اللجنة التنظيمية للاحتفال بعودة عون من منفاه الباريسي. وفي العام 2010، تسلّم منصب منسق هيئة قضاء الشوف، كما تسلّم ملف العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” فيها.

في طريقه الانتخابي الذي انتهى بالخسارة، كانت لعطاالله نظريات غير مألوفة طرحها أثناء حملته الانتخابية. فقد نشر موقع التيار الوطني الحر نصائح عطاالله المرشّح عن المقعد الكاثوليكي في دائرة الشوف وعاليه للناخبين والتي قال فيها “استفيدوا من الذين سرقوا منكم طيلة السنين الماضية، خذوا منهم الأموال وصوّتوا ضدّهم وعاقبوهم”.

وعقب تعيينه وزيرا، اعتبر عطاالله أن ترشيحه إلى الحكومة من قبل قيادة “التيار الوطني الحر”، “يدحض كل ما كان يتردّد عن أنه لا يتمّ توزير إلا المتموّلين والورثة من السياسيين والاقطاعيين”، مضيفا قوله “أنا لست ابن بيت سياسي، كما أنني من إحدى أصغر قرى الشوف، ولست رأسماليا ولا حتى بقريب من الطبقة الوسطى، وأعيش كما معظم اللبنانيين كل يوم بيومه”، مشيرا إلى أنه كان ممّن ناضلوا إلى جانب عون ومن ثم انتمى لتياره حزبيا، وكي يؤكد هذا قال “حتى أنني مارست المعارضة من داخل الحزب بكل ديمقراطيّة، وأثبتّ أننا نستطيع أن نعارض من دون أن نشاغب”.

تفجير مصالحة الجبل

طريقه الانتخابي الذي انتهى بالخسارة، تشتهر لعطاالله فيه نظريات غير مألوفة. كما حين قال للمواطنين "استفيدوا من الذين سرقوا منكم طيلة السنين الماضية، خذوا منهم الأموال وصوّتوا ضدّهم وعاقبوهم"
طريقه الانتخابي الذي انتهى بالخسارة، تشتهر لعطاالله فيه نظريات غير مألوفة. كما حين قال للمواطنين "استفيدوا من الذين سرقوا منكم طيلة السنين الماضية، خذوا منهم الأموال وصوّتوا ضدّهم وعاقبوهم"

اعتبر عطاالله أن سلسلة عوامل أدّت إلى توزيره، منها توليه منصب منسّق قضاء الشوف في “التيار” منذ العام 2010، ومن ثم توليه منصب مسؤول الارتباط مع “الحزب التقدمي الاشتراكي”، إلى جانب كونه يعمل على ملفّ المهجرين حزبيا منذ فترة طويلة، وقد بات جاهزا، على حد قوله، لذلك فإن حزبه “أعطاه فرصة”.

تصريحات عطاالله حول “المصالحة” التاريخية التي عقدها جنبلاط مع البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس سفير في العام 2000، والتي شكّك فيها “التيار الوطني الحر” خلال فترة الحملات الانتخابية على لسان رئيسه باسيل، لا توحي بالطمأنينة ولا حتى بالنية الصادقة بإقفال الملف بالنسبة للمقيمين في الجبل، فكيف بالنسبة للذين لا يزالون “مهجرين”، إذ اعتبر في تصريح صحافي أن “هناك فئات تعرّضت للظلم في الجبل، وسأعمل ليلا نهارا لاستعادة الحقوق وإتمام المصالحات”.

قال عطاالله في اتصال هاتفي مع صحيفة “النهار” عقب تعيينه، “سنحاول تعزيز العودة وإنهاء جميع الملفات العالقة التي مازالت كثيرة، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الحيثيات الجغرافية والديموغرافية  خصوصا في الشوف وعاليه”، واعدا بأنه سيثبت طريقة عمل مختلفة “ليلا نهارا حتى إنجاز المهمة”، كما قال حرفيا.

طريقة خاطئة للبداية

مصادر “درزية” لا تزال تنتظر لغاية اليوم الحصول على مستحقاتها من صندوق المهجرين تعتبر أن مجرد الحديث عن “ظلم” يعني “أن نية التيار غير صافية. فقد تحققت المصالحة بين كل أبناء الجبل، ولم يعد هناك فرق بين أبنائه الذين فور اجتماعهم يعودون بذاكرتهم إلى تقاليدهم وعاداتهم القروية ويتجنبون حتى الحديث عن المحنة التي مروا بها، فكيف لوزير المهجرين أن يتحدث عن ظلم أو غيره إذا كان ينوي فعلا إقفال ملف الوزارة؟”.

وتضيف المصادر “الظلم لحق بجميع أبناء الجبل سواسية، واتفقنا على أن نطوي هذه الصفحة الأليمة وكنا جادين في ذلك وأثبتنا ذلك على مدار الأيام، ولا نقبل بأن يعامل أحد من أبناء الجبل على أنه ابن ست وآخر على أنه ابن جارية، ولا نستطيع أن نقرأ من حديث الوزير عطاالله سوى أنه يفكّر بهذه الطريقة وهي غير مقبولة”.

تسريبات تؤكد أنه قد تم الاتفاق بالفعل ما بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس الحريري والوزير باسيل وحزب الله على إقفال ملف وزارة المهجرين، مقابل أن يكون عطاالله هو آخر وزير يشغل هذه الوزارة

من الواضح أن عطاالله بدأ عهده في الوزارة بالطريقة الخاطئة، فقد أوضح بعد مشاركته في قداس احتفالي في كنيسة مار بطرس وبولس في مسقط رأسه بطمة الشوف التي زارها في نهاية الأسبوع الماضي، أنه سيعمل على إقفال ملفّ المهجّرين خلال السنوات القليلة المقبلة “من خلال إعادة الحقوق إلى أصحابها، وبخاصة لكل من شعروا بالغبن في السنوات الماضية بسبب انتماءاتهم السياسية”، مشدّدا على أنه “في عهد الرئيس عون أصحاب الحقوق سيستعيدون حقوقهم. سأضع معايير علميّة لتقديم الطلبات والبتّ بالملفّات وسأطلب من ​الحكومة​ مبلغا محددا لإنهاء هذا الملف الذي أتممنا عملنا بالكامل بخصوصه، وسننتقل سريعا إلى مرحلة التنفيذ”.

صندوق الهدر المفتوح

يقول عطاالله إن الزمن الذي تُستخدم فيه هذه الوزارة في الانتخابات قد انتهى. و”نحن نريد أن يتوجّه ​اللبنانيون​ لانتخابنا بعدما يتأكدوا أن ما نقوم به هو بناء الوطن وليس لتنفيعات من هنا أو من هناك”. وفي حين أشارت تسريبات إلى أنه تم الاتفاق بين ​رئيس الجمهورية​​ ورئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ والرئيس الحريري​ والوزير باسيل​ و​حزب الله​ على إقفال ملف ​وزارة المهجرين​ وعلى أن يكون عطاالله​ هو آخر وزير يشغل هذه الوزارة، بدا واضحا أن تغييب جنبلاط عن هذا الملف كان قرارا مسبقا ومقصودا، يهدف إلى تطويقه وعزله، وهو ما لمّح إليه رئيس “الحزب الاشتراكي” مرارا في الفترة الأخيرة خصوصا عقب تشكيل الحكومة.

وقد كان جنبلاط أول من عمل جاهدا على إتمام المصالحة بين أبناء الجبل بعد الحرب الأهلية، ثم تولى وزارة المهجرين بنفسه، وعمل كي يستطيع أبناء الجبل، المقيمون والمهجرون العائدون، ترميم الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم أو إعادة بنائها، كما كانت له اليد الطولى في تعزيز مناخ التعايش في الجبل توّجها بالمصالحة الشهيرة التي عقدها مع البطريرك صفير ويرعاها البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. وأثناء مشاورات التأليف الحكومية وفي محطات كثيرة غيرها، كان جنبلاط ينادي بضرورة ضبط الهدر الحاصل في ميزانية الدولة اللبنانية، وإقفال “الصناديق” التي ترهق كاهل الميزانية، ومنها صندوق المهجرين، لكن يجب التذكير بوجود بعض الملفات العالقة لبعض قرى الجبل، والتي لم تكتمل فيها المصالحات وأخرى لم يقبض فيها بعض أصحاب الممتلكات مستحقاتهم، ولا يمكن المضي في خطة الوزير عطاالله قبل إنهاء هذه الملفات، ولن يكون بمقدوره إنهاءها من دون التعاون مع جنبلاط.

محو آثار الجريمة

مبدأ توزير الخاسرين في الانتخابات، مبدأ لم يطبقه إلا "التيار الوطني الحر" بدءا من العام 2009، عندما اشترط رئيسه آنذاك العماد عون توزير صهره باسيل الذي كان خاسراً حينها. ليكرر باسيل وأرسلان الأمر ذاته اليوم مع عطاالله
مبدأ توزير الخاسرين في الانتخابات، مبدأ لم يطبقه إلا "التيار الوطني الحر" بدءا من العام 2009، عندما اشترط رئيسه آنذاك العماد عون توزير صهره باسيل الذي كان خاسراً حينها. ليكرر باسيل وأرسلان الأمر ذاته اليوم مع عطاالله

بعد إعلان التشكيلة الحكومية، شارك عطاالله في اجتماع تكتل “لبنان القوي” الذي يرأسه باسيل، ثم انضم برفقة الوزير الدرزي المحسوب من حصة رئيس الجمهورية صالح الغريب إلى أرسلان في اجتماع كتلة “ضمانة الجبل” مع النواب ماريو عون، سيزار أبي خليل وفريد البستاني المنتمين أصلا إلى “التيار الوطني الحر”، وهي الكتلة التي أعارها باسيل إلى أرسلان لكي يصبح بمقدوره المطالبة بتوزير أحد أعضائها في الحكومة العتيدة.

أما أرسلان فقد نشر على “تويتر” صورة الاجتماع الذي انعقد “تحت درج” قصره في خلدة، ما دفع رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق مخيلتهم، فعدّلوا الصورة بواسطة برنامج “فوتوشوب” لكي يظهر المجتمعون كما لو أنهم في جلسة “قمار”، وهذا في الواقع ما هم يفعلونه: المقامرة بملف المهجرين وملف النازحين السوريين.

ولكن أغرب ما بدر عن عطاالله تغريدة على تويتر تكشف نية الفريق الذي يقوده حزب الله في لبنان اليوم. فقد ورد في تغريدته ما نصه إن “صدمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري استطاع لبنان من خلال التضامن بين جميع مكوّناته تجاوزها”. ما يشي بأن هناك هدفا كبيرا مرسوما يتمثل بطي صفحة جريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري ومعروف أن الطرف المستفيد من ذلك هو الطرف ذاته المتهم بارتكاب تلك الجريمة أما الآخرون فهم مجرد أدوات.

13