غسان غائب فنان حارب الزيف بكل أنواعه

غائب ينتمي إلى قلة من الفنانين الذين لا تنفصل رؤيتهم الفنية عن نوع وطريقة وأسلوب حياتهم، لذلك فإنه يتجدد كلما أتيحت له فرصة الانفتاح على حياة جديدة.
الأحد 2018/04/08
تحولاته تكشف عن نزعته الإنسانية

أشك أن هناك أحدا من فناني الحداثة في العراق يمكن أن ينافسه في تنوعه في التقنيات والمواد وتعدد وجوهه هو يتلفت بين قضايا عصره وهموم معاصريه وسعة المنطقة الفكرية والجمالية التي يعمل فيها. كانت تحولاته الأسلوبية تشير إلى قلق فنان قرر أن يفتح عينيه على سعتهما على عصر يناقض نفسه بنفسه. وهو ما أكسبه سرعة قياسية في الهدم وإتقانا مدهشا في البناء.

من الطبيعي إلى الفكري

في بداياته التي تعود إلى معرض مشترك جمعه باثنين من أصدقائه عام 1992 كان غسان غائب رساما يميل إلى التجريد الذي يستلهم الطبيعة في أقصى خلاصاتها البصرية. كان يركب مشاهده في سياق إيقاع بصري يستمد قدرته على التأثير من موسيقى عناصره المستلهمة من مشاهد غامضة هي أشبه بالذكريات.

غير أن الفنان الذي يؤمن أن “الفن عمل له هدف” لم يكن مقتنعا بالأسلوب الشخصي الذي يكون بمثابة قفص يقيم في الفنان ويقضي لياليه في تمتين قضبانه.

 لقد شعر غائب أن هناك ما يستحق أن يضحي من أجله ليكون آخر دائما. هو شعور انفرد به لا بين أفراد جيله الطالع من حرب طويلة فحسب، بل وأيضا بين كل الفنانين العراقيين من غير استثناء والذين شكل الأسلوب الشخصي القائم على شكلانية ثابتة بالنسبة لهم ضالة لا يمكنهم التخلي عنها إذا ما تمكنوا من الوصول إليها.

غائب فنان تقتفي أشكاله آثار أفكاره. يسبق المفكر الرسام ليقول له "اتبعني" ولأن العالم لم يعد جميلا فقد وجد غسان في دفاتره الشخصية مناسبة للاعتراف بأن الدفتر نفسه لم يعد شكلا مناسبا لكي تمر الحقيقة من خلاله

ما فعله غائب وما يفعله دائما هو نوع من الجنون من وجهة نظر الآخرين. غير مرة يتخلى الفنان عن عالم مضمون النتائج لينتقل إلى عالم من ريح، ليست له خرائط جاهزة.

ما أشد نزاهته وهو يغادر عالما مكتملا إلى عالم جديد ليس فيه ما يدعو إلى الاطمئنان. فهو من خلال ذلك التشرد يقترح على نفسه وعلينا نموذج الفنان الذي يثق بقدرة الفن على التغيير.

غسان غائب فنان يتغير وهو سواه دائما. ما كتبته في كتابي عنه “وسادة الملاك” صار جزءا من الماضي الشخصي لكلينا. وهو ما يسعدني. 

ماضي الرسام صار بالنسبة للبعض حلا جماليا ينقذهم من محنة البحث عن أسلوب وهو ما لا يزعجه بل صار يتأمله بعيني الشخص الآخر الذي تلبسه.

في آخر معارضه بنيويورك رأيته وهو يقرأ صحيفة قُصت على هيأة فراشة. إنها رمزه في مواجهة ما يجري في العالم العربي من تحولات لا تعد إلا بالخراب.

العقل الذي يسبق العاطفة

ولد غسان غائب في بغداد عام 1964. أنهى دراسة الرسم في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1986 ثم التحق بكلية الفنون الجميلة ليتخرج منها عام 1997. وكان قد شارك في مهرجان بغداد العالمي للفن التشكيلي بدورتيه الأولى 1986 والثانية 1988.

عام 1992 أقام معرضا مشتركا مع اثنين من أصدقائه. وفي عام 2000 عرض أول مرة في باريس بمعهد العالم العربي، مدينة الفنون التي ستحتضنه فيها فنانا زائرا بعد سنوات. أقام غائب معرضه الشخصي الأول عام 2001 في غاليري الأورفلي بعمان. حمل معرضه الثاني عنوان “الوشم” وقد أقامه بعمان عام 2005.

 أما معرضه الشخصي الثالث “مطرود من الجنة” الذي أقامه عام 2010 فقد كان مفصليا في سيرته الحياتية والفنية على حد سواء. سنة من الإقامة في السويد ذهب تأثيرها عميقا في روحه وكانت تنطوي على أجوبة على الكثير من الأسئلة التي حملها الفنان من باريس. يومها انفصل الفنان بمغامرته الجريئة عن المشهد الفني كله.

لأنه كان مستعدا للقبول بشروط عمل تقع خارج المألوف فقد ركن السوق الفنية ومتطلباتها وعلاقاتها جانبا ولم يعد فنه يستجيب إلا لإرادة داخلية هي مزيج من التأويل الذهني والمقاربة الحسية. كان من شأن بروز ذلك المزيج مصدرا للإلهام الفني أن يدفع العاطفة إلى التراجع.

ما لم يقو عليه غائب في سالف أيامه صار ممكنا بعد أن عاش الفنان تجربة التماس مع الحقيقة الجمالية التي لا تنبعث من العاطفة وحدها.  عاش الفنان سنوات في عمان بالأردن بعد أن غادر العراق وهو الآن يعيش ويعمل في لوس أنجلس بالولايات المتحدة. 

غائب ينتمي إلى قلة من الفنانين الذين لا تنفصل رؤيتهم الفنية عن نوع وطريقة وأسلوب حياتهم. لذلك فإنه يتجدد كلما أتيحت له فرصة الانفتاح على حياة جديدة.

بين نوح ودانتي

إذا كان غائب قد أظهر في بداياته ميلا إلى التجريد فإنه في كل تحولاته الأسلوبية لم يتخل عن ذلك الميل نهائيا.

كل ما فعله إنما يدخل في إطار توظيف تلك النزعة في خدمة أهداف جديدة بما يضفي على التجريد هالة إنسانية. وهو ما يسر للفنان أن يكون قريبا من تحولات فكر ما بعد الحداثة الذي جسدته الفنون المعاصرة.

كان ذلك واضحا في ما عرضه غائب من أعمال في تظاهرة الفن العراقي التي شهدها غاليري ميم بدبي عام 2010. من بين أكثر من عشرة فنانين كان غائب الأكثر شراسة في طرح سؤال المنفي لا من جهة كونه سؤالا وجوديا بل باعتباره واقع حال انتقل إليه العراقيون بعد الاحتلال الأميركي.

أعمل تنجو بنا من الجمال المزيف
أعمل تنجو بنا من الجمال المزيف

تخلى غائب يومها عن جمالياته. فعل ذلك لأنه أدرك أن تلك الجماليات صارت جاهزة. تخلى عن عاطفة شدت الأنظار إلى أشكاله الغامضة بما انطوت عليه من غنائية زمنا طويلا. فعل ذلك لأن خيال يديه صار مشبعا بمشاهد التيه التي لا يليق بالفنان أن يقف أمامها صامتا. كان غسان في تحوله إلى التركيب الفنان الذي سبق الجميع لا إلى سفينة نوح بل إلى جحيم دانتي.

شيء من غائب هو بمثابة درس للآخرين. فهو فنان يعلي من شأن إنسانيته في كل ما يقوم به.  

الجمال بالنسبة له ليس مفهوما مجردا بل هو مفهوم يكتسب قيمته من قوة حيويته في الحياة المباشرة. لذلك لم يسمح الفنان للأشكال أن تمارس سلطتها بمعزل عما تقدمه من حلول إنسانية.

سيد الدفاتر وصانعها   

لم يكن غائب أول من رسم دفترا فنيا في العراق. تقنية سبقه إليها الكثير من الفنانين العراقيين، لكن ما أنا على يقين منه أن غائب خرج بالدفاتر من منطقتها التقليدية إلى مناطق، لعب خيال استثنائي في تشكيلها.

هذا فنان تقتفي أشكاله آثار أفكاره. يسبق المفكر الرسام ليقول له “اتبعني” ولأن العالم لم يعد جميلا فقد وجد غسان في دفاتره الشخصية مناسبة للاعتراف بأن الدفتر نفسه لم يعد شكلا مناسبا لكي تمر الحقيقة من خلاله. لذلك بدا الرسام في دفاتره التي تتغير أشكالها بتغير أوضاعها كمَن يلعب وهي عبارة يمكن استبدالها  بـ”كمَن يحلم”.

سيد الدفاتر الفنية وصانعها وخادمها في الوقت نفسه هو في حقيقته أكثر الحالمين رغبة في ألا تنقطع صلة اللعب بالواقع. ذلك لأنه صار يدرك أن الواقع ما هو إلا مجموعة متلاحقة من الألعاب التي يمتزج فيها الواقع بظلاله.

إنها خلاصة ألم شخصي.  فضيلة فنان من نوع غائب أنه كان ولا يزال منصفا في علاقته بنفسه ومن خلالها بالفن. فهو لم يستعمل الفن واجهة للظهور المتميز. كان عذابه أكبر من أن يسمح بالاستعراض. لقد قرر ذلك الفنان أن يواجه العالم بالرجة نفسها من القسوة. أن تكاشفه. أن يكون ندا له.     

لا تنقذنا أعمال غسان غائب من خديعة الجمال المبيت غير أنها على الأقل تنجو بنا من الجمال المزيف.

9