غسان مسعود يروي بالحب "حكاية في دمشق"

فيلم سوري يداوي جراح الحرب بجرعة من الحنين إلى زمن مضى.
السبت 2020/11/21
فيلم يروي بالحب قصة مدينة اسمها دمشق

في أحدث إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في سوريا، يقدّم المخرج أحمد إبراهيم أحمد قصة عن مدينة دمشق يرويها من خلال قصص تجمع شخوص الفيلم بمدينتهم وأمكنتها ومهنها وحواريها. هذه المدينة التي لم تكن لهم مجرد بيوت للسكن وأسواق للتبضّع، بل كتب وحكايات سجلوا فيها تفاصيل حياتهم وتناقلوها عبر الزمن جيلا بعد آخر. فيلم “حكاية في دمشق” يحاول أن يروي قصصا عن الحب بشكل مختلف.

دمشق – يذهب الفيلم السوري “حكاية في دمشق” إلى أبعد من الشكلي والمعتاد في تقديم قصص الحب، فيلجأ إلى تكوين مسارات درامية تتحدّث عن الحب بصفة عامة ليس فيها اشتغال على النمطي. فالمعني بالحب هنا دائرة تتجاوز الأشخاص لتصل حدود الأشياء والأمكنة والمهن.

ففي دمشق القديمة تعمل الشابة لينا (جيانا عنيد) على تصنيع بعض الأشغال اليدوية الشرقية وتبيعها في محل بحي باب شرقي في قلب مدينة دمشق القديمة، وفق ملمح يشير إلى استمرار روح الأصالة في نبض مدينة دمشق الذي ينتقل إلى شبابها، وتنشأ بين هذه الشابة وبعض الناس في محيطها حالة من الحب والوجد والحنين إلى ما هو قديم وأصيل ووطني.

بين زمنين

أحمد إبراهيم أحمد: سرّ حياة المدن واستمرارِها ينبع من حب الناس لها
أحمد إبراهيم أحمد: سرّ حياة المدن واستمرارِها ينبع من حب الناس لها

ينتمي فيلم “حكاية في دمشق” إلى الزمن المعاصر، ويقدّم قصة آنية، عبر العديد من التقاطعات الدرامية بين شخوصه. لكنه يرحل بنا بعيدا عبر شخصية العم وجيه التي أداها الفنان غسان مسعود نحو البعد التاريخي الذي يحمل روح الأصالة والتمسك بالماضي والحفاظ عليه.

وتتضافر في الفيلم أحداث تنتمي إلى زمنين، ومن خلال الذكريات ينسج الفيلم تفاصيل حياتية عن أناس يعيشون زمن الحرب بكثير من المعاناة وكذلك الأمل في انتظار مستقبل أفضل.

ويشكل الفيلم بناءه الدرامي على خلفية الأحداث الحالية في سوريا، فالحرب ما زالت قائمة في البلاد، لكنها لا تظهر واضحة المعالم. فلا دماء ولا قتل ولا دمار هنا بالشكل الذي تتناول فيه السينما موضوع الحرب عادة، لكنها موجودة من خلال الانعكاسات التي تتركها على وجدان الناس وتفاصيل حيواتهم اليومية.

ويقدّم الفيلم ثيمته الأساسية التي تحتفي بقيم الحب بأوسع قدر ممكن. وتربط قصص الحب التي ينسجها طيف واسع من النماذج البشرية المختلفة التي تتعاون على تقديم ما هو أفضل لحيوات الجميع.

يقول مخرج العمل أحمد إبراهيم أحمد “سرّ الحب الذي يقدّمه الفيلم، هو السبب الذي جعل مدينة كدمشق تستمر نابضة بالحياة خلال تاريخ حياتها”. وأحمد مخرج سينمائي قادم من دراما التلفزيون، وهو هنا يقدّم فيلمه الروائي الطويل الثاني بعد فيلمه الأول “ما ورد” المأخوذ عن نص أدبي للكاتب محمود عبدالواحد بعنوان “عندما تقرع الأجراس” والذي كتب له السيناريو سامر محمد إسماعيل.

في فيلمه الأول ذهب أحمد إلى التاريخ السوري، فروى حكاية قرية صغيرة في ثلاث فترات متتالية تعكس الواقع السياسي في البلاد. قرية يقوم أهلها بزراعة أنواع الورد وتصنيع المواد الأساسية للعطورات، والتي تكون سببا في طمع بعض الأوروبيين الذين يحضرون لسرقة سر الصنعة ويؤسّسون من خلالها لصناعة العطور الباريسية والأوروبية. والتاريخ هنا هو واقع ثابت واضح المعالم وموثّق بما يدعمه من أفكار وأحداث وتفاصيل.

أما في فيلمه الثاني فلا يكون التاريخ واضح المعالم ومتشكلا بوثيقة تاريخية، إنما يظهر من خلال حنين شخصية العم وجيه الذي يصرّ على الاحتكاك بماضيه وماضي المدينة زائرا حواريها القديمة ومستكشفا أسواقها ومتلمسا لجدرانها ومتفاعلا مع ناسها البسطاء الذين يعيشون فيها. فالتاريخ هنا هو تيار من الشعور الدافئ نحو الماضي.

ثنائي الأمل

تيار من الشعور الدافئ نحو الماضي
تيار من الشعور الدافئ نحو الماضي

يتناول فيلم “حكاية في دمشق” قصة معاصرة تدور في فلك الحب بمعناه الإنساني المتعلق بظروف الحياة، بل ويقدّم حالات لشباب سوري يعيش في دمشق في زمن الحرب، فتظهر بائعة الأشغال اليدوية وكذلك الكوافيرة والشاب الذي يعيش بالقرب منهما والعديد من الشخصيات البسيطة المعروفة.

ويشارك في الفيلم الفنان غسان مسعود الذي قدّم العديد من الأعمال الهامة في السينما العالمية والعربية، كان أشهرها دوره التاريخي صلاح الدين الأيوبي في فيلم “مملكة السماء” تحت إدارة المخرج البريطاني الشهير ريدلي سكوت.

وفي دور العم وجيه، يقدّم مسعود دورا شفافا تكتنفه عوالم الحقيقة والخيال، فهو رجل عاش مراحل طويلة من حياته في مدينة دمشق ويمتلك فيها الكثير من الذكريات مع ناسها وأزقتها ومهنها وأسواقها. تعرّض لأزمة نفسية عميقة بفقدان أحد الأشخاص المقربين إليه، فصار يعاني من حالة ذهنية تغيب بسببها بعض ذكرياته، لكنه يقاوم ويصرّ على أن يكون حاضرا في تلك الأمكنة التي تذكّره بمدينته والأشخاص والمهن التي يحبها.

يذهب العم وجيه إلى الأحياء القديمة، حيث يعيش حالة الحنين ويتدفّق لديه سيل الشوق والذكريات ليكون حصنا له من الضياع في سنه المتقدّم. وهناك يتعرّف على الشابة التي تبيع الأشغال الشرقية وتنشأ بينهما علاقة خاصة من الود تحت نظرات صهره المتابعة الذي تعرّض بدوره لأزمة قاسية.

غسان مسعود يقدّم عمله “حكاية في دمشق” كثاني أعماله السينمائية في سوريا ومع المؤسسة العامة للسينما بعد فيلم “الاعتراف” الذي قدّمه منذ ثلاث سنوات مع المخرج باسل الخطيب، وذلك بعد طول غياب عن السينما السورية لأسباب شتى.

وفي فيلم “الاعتراف” جسّد مسعود دور مساح جغرافي يرفض التعامل مع قيم وافدة طارئة على سوريا في فضاء الحرب والقسوة، ويكون خلال عمره في قريته الصدر الذي حمى سيدة وطفلها من الخطر، وهذا ما كلّفه الكثير من المعاناة في حياته لاحقا. ويقدّم كذلك الفنان السوري المخضرم في فيلمه الجديد شخصية تكون مصدر حماية للناس من النسيان، فهو حريص على تأجيج مكامن الشوق والحنين والثقة بالماضي وكذلك المستقبل من خلال علاقاته مع محيطه. وشخصية العم وجيه تمثل بوجودها الجانب الروحي الأكثر ألقا في مجريات الفيلم.

أما بطلة الفيلم لينا التي أدّتها جيانا عنيد، فهي شابة تمتلك التصميم والإرادة على أن تقوم بعملها رغم كل الظروف التي تحيط بها والتي تدفعها نحو التوقّف عن النشاط، ولكنها بدعم من أصدقائها تتغلّب على مصاعب الحياة وتتمكّن من تجاوزها والسير قدما إلى الأمام.

والفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بسوريا، وهو من تأليف سماح القتال وإخراج أحمد إبراهيم أحمد، وقدّم شخوصه كل من غسان مسعود وجيانا عنيد ولجين إسماعيل ولينا كرم وغدير سلمان مع الفنانين ضيوف الشرف: حسن عويتي وعلي كريم وفائق عرقسوسي وأمانة والي وغادة بشور وجمال العلي.

جرعة من الأمل والتفاؤل
جرعة من الأمل والتفاؤل

 

14