غسل الأموات والدماغ أيضا

الخميس 2014/01/16

يعتقد شيوخ “الأكفان” أنّ تخويف النّاس من الموت شرط لحفظ الدين وبقاء العقيدة ودوام الأخلاق الحميدة. ويمتلك بعضهم خيالا عجيبا في وصف تفاصيل غرغرة الرّوح وحشرجة الموت ونحيب الميت على ما فاته من أوقات، وصولا إلى ما ينتظر المغفور له من مراسيم تعذيب في حفرة القبر، ولدغات الثعبان الأعور وأهوال القيامة في ساعة الحشر، وهلم رهبة ورهابا وترهيبا. وهكذا، وفقط هكذا، يتحوّل الدين من رحمة للعالمين إلى عُصاب يصيب النّاس أجمعين.

شيوخ “الأكفان”، أولئك المنادون بكره الدنيا، أولئك النافرون إلى ديار الموت، أولئك الصادعون بالتكفير والتحريم والتفجير، جميعهم يدرك بأنّ الإفراط في تخويف الناس من الموت غالبا ما يصبح مدعاة لاستعجال الموت، وذلك هربا من جحيم الخوف حين يصبح الخوف من الموت أشدّ وطأة من وطأة الجحيم. هي استراتيجية تحكميّة بالغة الخطورة، تهدف إلى تحويل الموت من مصدر للرّهبة إلى موضوع للرّغبة.

إنّ إطلالة بسيطة على بعض المخيمات الدعويّة في عدد من الدول، والتي أضحت معسكرات لتفريخ الجهاديين العالميين، تبين أن هناك لحظة قصوى يصير فيها الخوف من الموت عبر الأناشيد والأحاجي شغفا بالموت نفسه، على طريقة “أَبَعْدَ هَذا الهَوانِ هوانٌ؟”. ومن ثم نفهم تلك الابتسامة العريضة التي ترتسم على وجوه بعض المقبلين على تنفيذ عمليات انتحارية في العراق أو سوريا أو غيرهما.

لا يخفى هذا عمّن يهمّهم الأمر، لكنه يجب أن يقال ولو من باب أنّ السّاكت عن الحق شيطان أخرس: وفق شهادات بعض الناجين من جحيم التطرّف، فإنّ المغاسل الخيريّة للأموات في عدد من المجتمعات الإسلامية، يضاف إليها ما يسمّى بالدّورات العلمية لتغسيل وتكفين الأموات (هكذا!)، أصبحت فرصة سانحة للمتطرفين قصد التعبئة والتجنيد. بحيث يستغل المتطرفون المزاج العاطفي لدى ذوي الميت وأصدقائه، في وقت يضعف فيه الحس النقدي ويصبح الوجدان المكلوم جاهزا للخضوع والتسليم. ولهم في مغاسل الأموات قصص عجيبة، من قبيل جثة مثقف سمعوها تئن من شدة العذاب الأخروي الذي ألمّ به قبل انتهاء مراسيم الدفن! أو جثة شيخ رأوها تبتسم فرحا بالنعيم الذي لاقاه قبل أن يُوارى الثرى، وما إلى ذلك من خرافات تستغل هشاشة اللحظة المأثمية للتحريض الإيديولوجي. وبهذا النحو يصبح غسل جثث الأموات عند المتطرفين فرصة سانحة لغسل أدمغة الأحياء أيضا.

وكل هذا..

بمعزل عن شيء اسمه حرمة الميت.

24