غسيل الدماغ والمنظمات الإرهابية

الأحد 2014/09/14

لا تخلو الجلسات والمقابلات هذه الأيام من نقاش حول الإرهاب والتطرف الديني ولا من التساؤلات أو الضحك على الظاهرة التي تحولت إلى بعبع عالمي، داعش دولة الخلافة الاسلامية.

قضية الإرهاب الديني بدأت بعد وفاة الرسول والخلفاء الراشدين ولا نعلم إلى متى هي مستمرة، أما الظاهرة داعش فهي كغيرها من الظواهر التي تصنعها أميركا، تُضخمها ثم تسعى إلى تدميرها لكن بمقابل مادي من العرب وخاصة دول الخليج كما كان الحال مع العديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى.

في أحدى أمسيات الأسبوع الماضي تساءل أحد الأصدقاء عن سبب وجود عدد كبير من الشباب الخليجيين وتحديداً من دولة واحدة، وكيف يتم جرهم إلى مستنقعات الإرهاب ويكون مصيرهم الموت؟ وكل منا كان له رأيه في الذي يجري وفي ظاهرة داعش والدواعش التي تتبعهم.

التفسير النفسي والأسباب النفسية والتي ربما يتفق عليها الكثير من المختصين في علم النفس قد تكون عديدة لكن أهمها التربية الأسرية التي شكلت شخصية الشاب خلال السنوات الأولى من عمره، والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها وعملية غسيل الدماغ التي تعرض لها.

ما يُعرف بغسيل الدماغ هو عبارة عن السيطرة على العقل والسيطرة على الأفكار أو تشكيل الأفكار عند الشخص من قبل شخص آخر أو مجموعة أشخاص. وهي تعتبر ديكتاتورية من نوع آخر ينتج عنها شخص مسلوب الإرادة والفكر غير قادر على التفكير بشكل مستقل، وشخص لديه معتقدات ومبادئ مشوشة، غير قادر على اتخاذ قرار بنفسه إنما يتبع القرارات التي يعتنقها الشخص المسيطر على عقله.

نظريات غسيل الدماغ ظهرت لتفسير كيف نجحت الأنظمة الاستبدادية في السيطرة على عقول سجناء الحروب من خلال المعلومات الضالة والإشاعات والأكاذيب بالإضافة إلى أنواع التعذيب المختلفة التي كانوا يتلقونها.

وفيما بعد طورت هذه النظريات في مجال علم النفس لتفسير ظواهر أخرى تتعلق بالمعرفة خاصة في دراسة كيف يتم إقناع الشخص للتحول من ديانة إلى أخرى إلى أن أصبح التركيز على العقل والقدرات العقلية وتطبيقاتها.

في الماضي وتحديداً خلال الحروب العالمية كانت تتم السيطرة على عقول سجناء الحروب وسلب إرادتهم من خلال التعذيب والتجويع وأحيانا والقتل المفاجئ للبعض أمام السجناء الآخرين، إضافة إلى التعريض للحرارة القصوى أو البرودة القصوى ورفع درجة التوتر أو المنع من الأدوية العلاجية التي يحتاج إليها السجين، وكانت تلك الطريقة الكورية.

ومع الوقت تبين أن هذا الأسلوب كان مجدياً مع بعض السجناء فقط أما العدد الأكبر من السجناء فتبين أنهم انصاعوا وتم تغيير مبادئهم وأفكارهم عن طريق الكلمة الطيبة وإدخال المشاعر في كل موضوع يُطرح والتعامل الحسن والتقرب وإظهار الود والصداقة (الكاذبة) وكانت تلك الطريقة الصينية في التعامل مع أسرى الحروب.

بداية السيطرة على العقل وسلبه تبدأ بابتسامة ثم بالمصافحة القوية المفعمة بالنشاط التي ترسل إلى الآخر رسالة تقول فيها للضحية “أنت شخص مهم عندي”، ثم التربيت على الكتف وتقديم الشخص نفسه على أنه صديق وتقدير الشخص وإكرامه، …الخ.

كل ما سبق من حركات لغة الجسد هي علامات عن الصداقة والود، وهذا هو الانطباع الأول الذي يتركه المسيطر على الشخص أو المجموعة التي يتعامل معها، وهذا الانطباع الأول هو الذي يبقى في الذاكرة مع الانبهار بتلك الشخصية اللطيفة الرائعة لدرجة أن أي معلومات سلبية عن تلك الشخصية تكون غير مرحب بها حتى وإن قُدمت مع أدلة دامغة، بل تبدأ الضحية في الدفاع المستميت عن تلك الشخصية حتى وإن كانت هذه الشخصية ألعن من الشيطان نفسه.

هكذا يتم استدراج الصغار والشباب في المدارس من قبل تجار الدين ثم العمل على تغذية عقولهم بأمور غير صحيحة أو مبالغ فيها من خلال الدين والعاطفة. شباب اليوم ليسوا سجناء حروب، بل هم سجناء التربية القاسية التي تلقوها من أسرهم، والبيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها من حرمان وكبت وقسوة وفقدان للحنان والعاطفة، فعندما يقول تاجر الدين للشاب “أحبك في الله” فهو يأسر قلبه قبل عقله، فكلمة “أحبك” ربما لم تكن ضمن قاموس حياته بل كانت من الأمور المكبوتة في اللاشعور وجاء من يُشبعها له، الكلمة التي تمناها من والده ووالدته وجدها عند الغريب الذي في نظره أحن إليه من القريب.

وفي أحد التقارير ذكر أحد الشباب الهاربين من التنظيمات الإرهابية أنه وجد لدى التنظيم الإرهابي المال والوعود والسبايا من الفتيات والنساء في حرب سوريا، كما ذكر أنه لم يكن يعرف أي شيء عن العالم الخارجي ولم ير في حياته إلا وجه أمه وأخواته ولا يعرف كيف هي وجوه النساء غيرهن لا عن طريق المجلات ولا دور السينما التي حرّمها رجال الدين في تلك المجتمعات حتى يسهل عليهم السيطرة على عقول الشباب وبرمجتها كما يشاؤون، فلا رأي ولا علم غير الذي يقدمونه هم فقط.

أتذكر عندما كنت في المدرسة وفي الجامعة كنت ألاحظ أن المجموعات الدينية المتطرفة كانت تتزايد بسبب تعاملها مع الطالبات الأخريات خاصة بالمصافحة الشديدة حيث تردد الواحدة منهن وهي تُصافح الأخرى “كلما تصافحنا بقوة وحرارة يا أختاه نكسب أنا وإياكِ أجراً عظيماً عند الله”، أدخلت العاطفة وأظهرت الحنان وذكرت الله وتكون النتيجة تأثر الفتاة الأخرى وإضافة عضو جديد في المجموعة.

كل شخص يمكن أن يتم غسل دماغه بشرط أن يكون لديه الاستعداد النفسي أولاً ثم الاستعداد المعرفي. الاستعداد النفسي يكمن في الشخصية التي تتعرض للحرمان العاطفي خلال مراحل حياتها، تفتقر إلى الحب والرعاية والكلمة الطيبة وبالتالي تفتقر إلى الشعور بالأمان النفسي. والاستعداد المعرفي يكمن في ذلك الجانب من الشخصية التي مهما وصلت من العلم لا تزال غير مرنة ومتعصبة فكريا خاصة فيما يتعلق بالأمور الدينية. فمثل هذا الإنسان مهما بلغ من درجات العلم والشهادات العلمية إن لم يقرأ للآخر ولم يناقش ولم يحلل ولم يستنتج ولم يقرر بنفسه يكون ضحية يسهل جرها وغسل دماغها من قبل من يريد. الشخصية التي يصعب غسل دماغها بأي طريقة هي التي توقف المعلومة التي تتلقاها، تختبرها وتحللها وتغربلها وتبحث عن المصادر الموثوق بها للمعلومة والتي لا تصدر الأحكام على من يختلف عنها والتي تحب وتقدر نفسها قبل أن تبحث عن الحب والتقدير عند الآخرين، وهذا ما نسميه بالمفكر الناقد التحليلي.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5