غسيل الميليشيات الشيعية يُنشر في سجال بين الحكيم والخزعلي

قتل واستيلاء على عقارات الدولة ونهب لتجهيزات مصفى نفطي، ومقتل صاحب مطعم يكشف اختراق الميليشيات لوزارة الداخلية.
السبت 2019/01/12
الخزعلي سعى منذ انشقاقه عن التيار الصدري إلى الارتقاء من قائد ميليشيا إلى مرجع سياسي وديني

المصالح المشتركة التي جمعت الفرقاء الشيعة في العراق من أحزاب دينية وميليشيات مسلّحة، منذ 2003 وجعلتهم يعملون يد بيد رغم اختلافاتهم الجزئية، لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكتسبات المعنوية والمادية على حساب المصالح العليا للدولة، عادت الآن لتفرّق بينهم وتدفعهم أكثر فأكثر إلى التناحر وفضح بعضهم البعض عن علم تامّ ودراية موسّعة بأسرارهم وخباياهم.

بغداد - في مؤشر جديد، على اشتداد الصراع بين فرقاء البيت السياسي الشيعي العراقي وتحوّله إلى معركة كسر عظم، اندلعت حرب كلامية بين حركة عصائب أهل الحق شديدة الولاء لإيران بزعامة قيس الخزعلي، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم على خلفية مقتل مالك مطعم في بغداد.

ونشرت المحطة الفضائية التي يملكها تيار الحكمة سلسلة أخبار عاجلة، تؤكد إلقاء القبض على شخص قتل مالك مطعم شهير شرقي بغداد، مؤكدة أن أجهزة الأمن التي ألقت القبض على الشخص المذكور ضبطت بحوزته وثائق هوية صادرة عن حركة عصائب أهل الحق.

ومنذ أسابيع، تحرص المحطة الفضائية على طرح أسئلة، تتعلق بمصير معدات مصفى بيجي النفطي في محافظة صلاح الدين التي سبق أن اُتهمت حركة العصائب بنهبها ونقلها إلى أماكن مجهولة بعد استعادة المصفى من تنظيم داعش.

وبلغت ذروة الجدل عندما رد قيس الخزعلي شخصيا على الخبر الذي نشرته فضائية عمار الحكيم بشأن مقتل مالك المطعم.

وقال الخزعلي “منتهى الدناءة التي يمكن أن يصل إليها إنسان هو أن يتّهم الآخرين زورا وبهتانا إذا اختلفوا معه، إلا إذا كان مأجورا فإنه يكون معذورا لأنه عميل”.

وسارعت حركة العصائب إلى استصدار بيان من وزارة الداخلية العراقية، ينفي القبض على أي شخص بتهمة قتل مالك “مطعم ليمونة” الشهير شرقي بغداد، فيما استغرب مراقبون من سرعة إصدار النفي، إذ من المعهود أن تتأخر الأجهزة الأمنية في التعليق على الخروق الأمنية، ما أشّر لدى البعض إلى حجم النفوذ الذي تملكه المجموعات المسلحة الموالية لإيران في المؤسسة الأمنية العراقية.

وعادت القناة المملوكة للحكيم، إلى نشر معلومات تؤكد أن “العصائب تمارس ضغطا كبيرا على وزارة الداخلية لإطلاق سراح المتهم بقتل مالك المطعم”.

وخاطب القيادي الميداني البارز في ميليشيا العصائب جواد الطليباوي الحكيم قائلا “الأولى بك يا سيد إن كنت حريصا على الوطن أن تحاسب أتباعك الذين سرقوا ونهبوا قوت الشعب بغير وجه حق”، مشيرا إلى جميع أبناء الشعب العراقي، وانخرط المسؤول الأمني في كتائب حزب الله القريبة من إيران أبوعلي العسكري في السجال قائلا إن “التخوين الذي تمارسه بعض الجهات على الإخوة في الحشد الشعبي هو لغة مرفوضة ويجب التوقف عن هكذا أفعال قذرة”، معتبرا أن “اتهام فصيل عريق من فصائل الحشد الشعبي (يقصد العصائب) يأتي بالتزامن مع محاولة الأميركيين فرض وجودهم العسكري في بغداد”.

القضية أكبر بكثير من مجرد مقتل صاحب مطعم في مدينة مثل بغداد تمرح فيها الميليشيات وتعج بمختلف الجرائم

وزيادة في الضغط على من يعتبره حلفاء إيران في العراق ضمن محور مُوال للولايات المتحدة، دعا أنصار حركة عصائب أهل الحق إلى تظاهرة قرب المجمّع الذي يشغله تيار الحكيم في منطقة الجادرية التي تضم القصور الرئاسية على ضفة نهر دجلة ببغداد.

ويقول مصدر عراقي طلب عدم ذكر اسمه، إنّ الخزعلي قائد العصائب عمل بجدّ قبل انتخابات مايو الماضي وبعدها لأجل أن تنال حركته نصيبا هامّا في الحكومة الجديدة، وإنّه لم يحصل على مبتغاه، فاتّجه إلى توسيع حجم مناطق نفوذه على الأرض وهو ما لا يمكن تحقيقه من غير قضم أجزاء من مناطق نفوذ الأحزاب والميليشيات الأخرى.

وليس من المستبعد، يضيف نفس المصدر، “أن يكون الخزعلي قد اختار التمدد على حساب تيار الحكمة لأنّه الأضعف على صعيد الجاهزية القتالية. وقد يكون صاحب المطعم القتيل بمثابة رأس الجبل الذي يغطيه الجليد. فالمسألة أوسع من مقتل شخص في مدينة مثل بغداد تمرح فيها الميليشيات وتغص بجرائم القتل والاختطاف والترويع والنهب ومصادرة الأملاك بطرق مختلفة”.

أما في ما يتعلق ببيان النفي الذي أصدرته وزارة الداخلية، يقول المصدر “فإنه يؤكد أن تلك الوزارة لا تقف باعتدال بين التيارات الشيعية المتصارعة فهي لا تزال تحت سيطرة الميليشيات ولا يزال فالح الفياض يديرها من خلال مساعديه في الحشد الشعبي. لذلك تأخذ المعركة بين الطرفين شكل المزايدة العلنية على الحشد في محاولة من أجل أن يكسب الطرفان ود الجهة التي في إمكانها قانونيا أن تحسم النزاع.

في حين يمكن التنبؤ بأن الخزعلي وهو الأشد تطرفا في ولائه إلى إيران هو من يربح المعركة. فبعد أن أعلن الحكيم عن تقاربه مع مقتدى الصدر بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة فقد حظوته السابقة لدى صقور الشيعة وبالأخص هادي العامري الذي كان يوما ما تابعا لحركته. والأقرب إلى الواقع أن الحكيم صار رقما منسيا في العملية السياسية وفي ظل التصعيد الأميركي الإيراني بعد قرار الرئيس ترامب سحب قواته من سوريا ونشرها في العراق، فإن حظوظ الخزعلي وسواه من زعماء الميليشيات قد تتزايد وهو ما يدفع إلى التكهن بأن الصدام الذي يخوضه الخزعلي مع تيار الحكمة هو تمهيد لسحب البساط من تحت أقدام الحكيم بشكل نهائي وإلحاقه بسلسلة الوجوه التي اختفت. وهو قرار لن يجرؤ الخزعلي وحده على اتخاذه بقدر ما هو مجرد أداة لتنفيذه”.

ميليشيات مهمتها القتل والترويع
ميليشيات مهمتها القتل والترويع

ولم يتأخر رد تيار الحكمة على العصائب من خلال رسالة وجهها “شباب الحكمة” إلى قيس الخزعلي جاء فيها أن “بعض قياداتكم الميليشياوية الفاقدة لأي كياسة ودراية، تكيل بأسلوب العصابات الشتائم والاتهامات لمشروعنا الوطني وهذه الوسائل الفاقدة للياقة الحوار والنقاش دليل صارخ على أنّكم جماعة لا تفقه بالسياسية والثقافة شيئا وكل ما لديكم هو القدرة على إرهاب وابتزاز الناس العزّل والأبرياء”.

وتابعت الرسالة “إنّه لفرق كبير بين من كان سلاحه للإيجار واستغله للدخول في الحشد لأهداف خاصة وبين من حمل السلاح بعد صدور الفتوى المباركة بدقائق وتخلى عنه بعد النصر تاركا للدولة أخذ دورها في إدارة الأمن، ولذا نقول لكم لا تزايدوا على الحشد فنحن وقياداتنا نعرف القيمة المعنوية الكبرى لهذا التشكيل المجاهد الذي انبثق عن الفتوى المباركة للمرجعية العليا في النجف الأشرف”.

وتمضي الرسالة في القول موجهة الحديث إلى الخزعلي “إنكم أكثر من أساء للحشد، ولعلك وجماعتك في العصائب تحاولون ذرّ الرماد في العيون للتعتيم على أفعالكم أو لعلكم تحاولون تناسي جلوسكم وتحالفكم مع من كان يحرّض ضد الحشد والمجاهدين، بل إنكم من أعدتم أعداء الحشد إلى السلطة، فهل نذكركم أكثر”.

وتضيف الرسالة “إن كنت حريصا يا شيخ (الخزعلي) على هذا الوطن فالأولى بك أن تحاسب أتباعك الذين نهبوا مصفى بيجي ومعداته.. حاسبهم إن كنت صادقا على سرقتهم لبيوت المسيحيين في الكرادة وزيونة، وقائمة الموبقات تطول”، مؤكدة أن “الشعب يعلم ويعرف العصابات التي ترهب الناس وتغتال الأبرياء وتهددهم”.

3