غضبنا يسهل تثبيت صورتنا السلبية في عيون الآخرين

إذا تسارعت دقات قلبك وواجهت صعوبة في التنفس وارتفع منسوب ضغط الدم في جسدك، فإنك على الأرجح تخضع لمجموعة من الاستجابات الجسدية الطبيعية أثناء ممارستك للتمارين الرياضية، وهي علامات جيدة عموما تشير إلى أنك تعتني بصحتك البدنية وأنك تقطع خطواتك في المسار الصحيح. لكن الاستجابات الجسدية ذاتها إذا حصلت لك بسبب انتقادك لشخص ما أو تلقيك أنت شخصيا انتقادا من أحد ما، فهذه الاستجابات لن تكون علامات جيدة بأي حال، بل إنها دليل على أنك لست في المسار الصحيح في ما يتعلق بنجاحك في الحياة وفي علاقتك بالآخرين.
الأربعاء 2016/12/07
الانتقاد ربما يكون تعبيرا عن مشاعر مقت وغضب على الآخر

يرى الطبيب النفسي وأستاذ علم النفس التنظيمي في جامعة كنساس الأميركية، هندري ويزينر، أن الانتقاد يستفز مشاعر الناس باختلاف درجات وعيهم وثقافتهم وغيرها من السمات الرئيسية للشخصية، فالانتقاد الذي نتلقاه من الآخرين يثير مشاعر الغضب لدينا في حين أن توجيه الانتقاد إلى الآخرين يسبب القلق، وهذه المشاعر نفسها تتغذى بالصورة السلبية الذاتية عن النفس، وبدورها تستثير مثل هذه الاستجابات الجسدية الحادة، كتسارع النبض والتنفس وارتفاع ضغط الدم وربما تصل الأمور إلى أسوأ من ذلك.

وفي كلتا الحالتين، يبقى تلقي الانتقاد ومنحه للآخرين مصدرا للشعور بالانزعاج والتوتر خاصة إذا تحوّل هذا النقد -في الاتجاهين- إلى سلوك يقصد منه التجريح بالكلام القبيح.

من ناحية أخرى، فإن الاحتفاظ بالهدوء ورباطة الجأش عند التعرض للانتقاد من قبل الآخرين، يمكننا من التعامل مع الموقف بصورة أكثر فاعلية وتقديم استجابة مناسبة، إضافة إلى منع سيل المشاعر المتطرفة من التعبير عن نفسها أمام الآخرين، بصورة قد لا تكون مناسبة وربما تتسبب في تثبيت صورتنا السلبية في عيون الآخرين تلك التي تدفعهم إلى انتقادنا.

وينصح متخصصون بضرورة المحافظة على الهدوء أثناء التعاطي مع فعل الانتقاد سواء بتلقيه أو بتوجيهه إلى الآخرين؛ وبمراقبة الاستجابات الفسيولوجية وتقييم مستوى التوتر الذي استفز في داخلنا، من خلال مستويات هذه الاستجابات ومدى شدتها، فإذا ما كانت شديدة فهذا يعني أن الفرصة متاحة لك للتعبير عن أكثر الانفعالات حدة ومنها تفريغ شحنات غضب في وجه الآخرين، لن تكون مناسبة وهي قد تكون مؤشرا على أن الأمور لم تعد تحت السيطرة. في حين أن الاحتفاظ بالهدوء يجنبك المواجهة مع الآخرين، وبدلا من ذلك يمنحك الفرصة لتقييم النقد الذي يوجهه الآخرون وقياس مدى موضوعيته أو إن كان يستحق الوقوف عنده ومراجعة بعض الأخطاء الشخصية التي استدعت هذا النقد.

إذا كان الناقد شخصا عزيزا علينا فإن تجاهل انتقاده أمر عسير، ويتوجب علينا البحث عن أسباب هذا السلوك

أما في حالة توجيه النقد إلى الآخرين فإن التروي في ردود الأفعال أو امتصاص غضب الآخرين الذين تم توجيه النقد إليهم، قد يسهم في تقييم مدى جدية انتقادك وإن كنت على صواب أم أنك كنت مندفعا بتأثير سوء تقييم الآخر. ولعل تنامي هذه الأعراض الجسدية الحادة، تمثل دلالة مهمة على أن الانتقاد كان له تأثيره السلبي في الشخص الموجه إليه، وأنه يتوجب عليه أن يتعلم كيف يستجيب بهدوء لهذا الاستفزاز وأن يطوّر جانبا شخصيا يساعده في الاسترخاء والهدوء، للتعامل بعقلانية مع الموقف بدلا من أن يظهر بموقف دفاعي مكشوف أمام الآخرين.

في مقالها الأخير بمجلة “علم النفس” الأميركية، تقرر جوديث سيلس، بأن الانتقاد يسبب في أحيان كثيرة جروحا نفسية كبيرة خاصة إذا كان ظالما، لكن التعبير عنه لدى البعض قد لا يتخذ صيغة الغضب المباشرة خاصة إذا كان موجها للفرد في محفل عام وتحت أنظار الناس في محيطه الاجتماعي أو الوظيفي، لذلك يعبّر عنه هؤلاء بابتسامة ظاهرة تنم عن عدم الاهتمام لتجنب الحرج على الرغم من أنه يتسبب في شعور داخلي بالمرارة، فالانتقاد جارح خاصة إذا كان غير عادل.

وتعبّر هذا الابتسامة بظاهرها غير المبالي عن حق الاحتفاظ بالدفاع عن النفس في وقت لاحق، وربما الغضب في وقت آخر ويعتقد البعض بأن أفضل وسيلة للاستجابة إلى انتقاد ظالم هي التغاضي عنه والتظاهر بعدم الاهتمام، إلا أن المتخصصين لا يحبذون هذه الفكرة لكون السكوت يعمق الجروح النفسية وأن الاحتفاظ بحق الرد وتبرير الأسباب وتوضيح الأمور لاحقا حق مشروع للجميع، على أن لا يتم التعبير عن الرفض بصورة مباشرة بالضرورة ومحاولة الالتزام برباطة الجأش بقدر الإمكان، الأمر الذي قد يردع الآخرين ويحدّ من تماديهم في إلقاء الانتقاد والأحكام الجاهزة ويقطع عليهم الطريق لاستفزاز مشاعر العنف في الشخص الذي يتعرض للانتقاد.

وتورد سيلس مثالا قد يتكرر يوميا في أماكن العمل، حيث يوبخ المدير أحد الموظفين لتقصيره في إنجاز العمل بصورة معينة أو في الوقت المحدد، حيث يضمن صاحب العمل خطابه بكلمات جارحة من وجهة نظر الموظف بسبب الغضب ربما، وبدلا من مواجهة الغضب بمثله يصبح في الإمكان مناقشة التفاصيل والاستفسار عن معلومات إضافية للوقوف على جوانب الخطأ، وبهذه الطريقة يتلقى المدير رسالة من الموظف تعكس تفهمه للموضوع ومحاولته لتلافي الخطأ إذا كان هناك خطأ في الأداء، وربما يغير رد الفعل الهادئ هذا من حدة أسلوب الطرف الآخر أو يشعره بالخجل من تصعيد الموقف واستخدام لغة حوار تتسم بعدوانية لا مبرر لها.

عموما، فإن الانتقاد قد يتم في أحيان كثيرة بناء على معلومات مغلوطة وربما يكون تعبيرا عن مشاعر مقت وغضب على الآخر، ولهذا لا يتوجب الاهتمام به أو الاستجابة إليه آنيا وأما مصدر الشعور بالغضب وخيبة الأمل فيرجعان لسببين؛ الأسلوب الذي استخدم في الانتقاد ومدى صلة العلاقة أو القرابة التي تربطك بالشخص الذي يوجه النقد، فالأسلوب الجارح قد يعقد الأمور أكثر، أما إذا كان الناقد شخصا عزيزا علينا فإن تجاهل انتقاده أو التظاهر بعدم الاهتمام أمر عسير للغاية، ويتوجب علينا في هذه الحالة البحث عن الأسباب الكامنة خلف هذا السلوك.

21