غضب أسري من إعلانات رمضان المحرضة للأطفال على التمرد

أولياء أمور مصريون يقدمون بلاغات ضد إعلانات أطفال بتهمة ترديد إيحاءات جنسية.
الأربعاء 2019/05/22
الشاشة لا تجمع كل أفراد الأسرة إلا نادرا

تصاعدت في مصر أزمة إعلانات رمضان التي تحتوي على إشارات وعبارات وتصرفات غير مقبولة اجتماعيا، حيث تقدم المجلس القومي للطفولة والأمومة ببلاغات قضائية إلى النائب العام، ومخاطبات أخرى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمطالبة بوقفها، لأنها لا تتفق والذوق العام وتؤثر على مبادئ ومكونات الأسرة وتمس التقاليد.

وتنوعت الاتهامات الموجهة للإعلانات بين ترديد إيحاءات جنسية والقيام بحركات غير أخلاقية وتعليم الأطفال انتهاك الخصوصية، والحط من السلوكيات الإيجابية عند الصغار وتدريبهم على التمرد. وجاء في أحد إعلانات الملابس الجاهزة، أن يقوم طفل بنزع ملابسه أمام الأسرة ويقف شبه عارٍ دون خجل، وآخر يتجول في المنزل بأريحية عقب خروجه من الحمّام وهو يرتدي لباسا شفافا.

لم يكن معهودا على الشاشات المصرية عرض إعلانات بهذه الجرأة التي لا تتفق مع الأسر المحافظة. واتخذ أحد الإعلانات من جسد فتاة صغيرة وسيلة للترويج لمنتج، وألمح إلى أن جسدها مثير لأنها ترتدي هذا النوع من الملابس.

واحتوى إعلان آخر على مشهد لطفل يطلب أموالا من جدته لشراء وجبة من أحد المطاعم، ومع رفضها، تحدث معها بندية وصوت مرتفع، وانتهى الإعلان بأن ما طلبه الطفل تحقق، وهو ما اعتبره بعض المشاهدين تحريضا للأطفال على التعامل مع رب الأسرة بنوع من التذمر لإجباره على تحقيق رغبته في شراء السلعة التي يريدها.

وقال المجلس إن بعض الإعلانات تنطوي على إساءة لكرامة وحقوق الأطفال وتحتوي على مشاهد سيئة تهدم ما يحاول أولياء الأمور تعليمه لأطفالهم من سلوكيات إيجابية، لأنها إعلانات تعمدت نشر وعرض مصنفات فنية مرئية خاصة بالطفل تخاطب غرائزه الدنيا وتزين له سلوكيات مخالفة لقيم المجتمع من شأنها تشجيعه على الانحراف.

وتحرك المجلس لوقف هذه الإعلانات بعد هجمة الشكاوى التي تلقاها من أمهات، ما يؤكد جدارة المرأة بالحفاظ على وحدة واستقرار وأخلاقيات أسرتها، وقدرتها على تحصين أبنائها من كل ما يعرضهم للتأثر بالعادات والتقاليد الهدامة.

وأكدت أستاذة علم اجتماع الأسرة شاهيناز محمد، لـ”العرب”، أن خطورة وقف عرض الإعلانات تضاهي استمرار بثها، لأن التجارب السابقة تعكس ذلك، حيث يتم ترويج عبارة (الإعلان الممنوع من العرض) على مواقع وصفحات الإنترنت، وهذه الجملة كفيلة باستقطاب الملايين لمشاهدته.

وتكمن أزمة الإعلانات المطلوب وقفها في أنه تجري إعادة بثها في اليوم الواحد أكثر من 30 مرة، أي أنها ترسخ في أذهان الأطفال بكل تفاصيلها وبما تتضمنه من عبارات ومشاهد، ومن الطبيعي أن تجد فئة من الصغار تقوم بتقليد ومحاكاة الإعلان بشكل لاإرادي.

وقالت ولاء رزق، وهي أم لطفلين في مرحلة التعليم الابتدائي، إنها فوجئت بهما يجلسان أمام التلفزيون وكلاهما يرتدي “الشورت” فقط، وعندما نهرتهما عن ذلك التصرف، قالا “لو كان هذا السلوك عيبا، ما كان أذيع في التلفزيون لتعليم الطفل كيف يلبس”.

وأضافت الأم لـ”العرب”، وهي إحدى السيدات اللاتي دشن حملة على “فيسبوك” بعنوان (كوارث تربوية في إعلانات رمضان)، أن طفليها يقارنان بين القيود المفروضة عليهما في البيت، والتحرر الموجود في الإعلانات، لافتة إلى أن هناك توترا دائما بين الآباء وأبنائهم حول اختلاف القيم والمبادئ وبين ما يحدث في المنزل وما يذاع على الشاشات.

ورأى ساخطون على هذه النوعية من الإعلانات أن تأثيرها على الأسرة لن يتوقف بمنع بثها على شاشات التلفزيون، لأن هناك وسائل اتصال بديلة ومتاحة للأطفال يمكن من خلالها إذاعة الإعلانات الموقوفة عليها. ويضاف إلى ذلك، أن الإعلان إذا أذيع ليوم واحد عدة مرات، ثم توقف بثه، فإنه يترك أثرا كافيا عند الأطفال لتقليده، ويدرك صُناع الإعلانات أن الشيء المبتذل والمخالف للعادات والتقاليد يترك بصمة في الصغار وفي المجتمع.

وذهب خبراء علم الاجتماع إلى أن حوار الآباء مع أبنائهم فور مشاهدة هذه النوعية من الإعلانات وإقناعهم بأن ما يتم عرضه سلوك غير مستحب ومعيب، يمكن أن يساهم في عدم استمالة الأطفال ناحية سيناريو ومحتوى الإعلان. كما أن تعنيف الصغار على المحاكاة، دون استخدام أسلوب توعوي هادئ يقنعهم بمساوئ وخطورة المحتوى، يجعلهم يرفضون الإعلان في الظاهر فقط، خشية العقاب، بينما هم سعداء بمشاهدته، وقد يكبرون على خداع آبائهم.

وقالت شاهيناز محمد لـ”العرب” إن الأزمة تكمن في فارق الثقافة والفكر والتطور بين أرباب الأسر والأطفال، وهو ما تركز عليه شركات الإعلانات فأصبحت تخاطب الصغار بشكل أكبر، وتستخدمهم أداة ضغط على آبائهم لحثهم على الاستهلاك، إما بتعليمهم التذمر والندية والغضب، أو التحرر، أو استثمار عاطفة حب والديهم.

وأوضحت أن بعض صناع الإعلانات يعملون على تشكيل سلوك استهلاكي غير صحي، لكن بطريقة غير مألوفة، مثل إعلان الطفل الذي يخاطب جدته لشراء وجبة من أحد المطاعم، فهي رفضت، وهو رأى أنه محق في التمرد عليها والتذمر منها، لأنها لم تحقق رغبته، وخطورة هذا النوع من التسويق تكمن في أن بعض الصغار يتخذون بطل الإعلان قدوة حتى لو كانت تصرفاته سيئة.

ويرى فريق آخر أن تطور ثقافة الإعلانات له انعكاس واضح للتغير الحاصل في المجتمع، من حيث الرفاهية والتحرر من العادات والتقاليد القديمة التي يرفضها الجيل الحالي، فضلا عن تغير نمط التربية وطريقة معاملة الأطفال والآباء.

ويقول أنصار هذا الفريق إن التدخل لمنع أو تغيير محتوى أي إعلان بذريعة الحفاظ على العادات والتقاليد والقيم الأسرية يفتح الباب أمام زيادة محاكم التفتيش التي تقتل كل عمل إبداعي يمكن أن يحرر الأسرة من القيود المفروضة عليها، ولا يمكن أن تكون لكل أسرة إعلاناتها، بل لكل أسرة نمط تربية يصعب اختراقه مهما كانت المؤثرات.

21