غضب الشارع العراقي يقلّل حظوظ الميليشيات في تجديد حضورها بالبرلمان

مهمّة صعبة لأتباع إيران في الانتخابات المبكرة لفقدهم السند الشعبي.
الخميس 2020/10/08
انتفاضة الشارع صنعت الفارق بين زمن ماض وآخر قادم

حالة الغضب الشعبي السائدة في الشارع العراقي من الميليشيات الشيعية وقادتها جرّاء دورهم السلبي في تعكير أوضاع البلد سياسيا وأمنيا واقتصاديا، تقلّل من حظوظ تلك التشكيلات في الحفاظ على مكانتها في السلطة والتي دعمّتها بشكل كبير خلال الانتخابات النيابية الماضية من خلال حصولها على كتلة برلمانية وازنة، وهو المكسب الذي سيكون من الصعب الحفاظ عليه من خلال الانتخابات المبكرة المقرّرة لصيف العام القادم، في حال تم إجراؤها بشفافية وسلمت من التزوير والتلاعب.

بغداد - تخشى الميليشيات العراقية الموالية لإيران أن ينعكس الغضب الشعبي العارم من الطبقة السياسية على ظروف مشاركتها في الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها مطلع يونيو 2021.

ويقول زعماء هذه الميليشيات إن لديهم معلومات تشير إلى أن تنسيقيات تابعة لحركة الاحتجاج العراقية التي انطلقت في أكتوبر 2019 للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية ومحاربة الفساد وإنهاء الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي للعراق، تخطط للتأثير على مشاركة الممثلين السياسيين للمجموعات المسلحة التابعة لطهران، في الانتخابات القادمة.

وشهدت الانتخابات العامة في 2018 مشاركة واسعة من قبل الميليشيات العراقية التابعة لإيران، حيث حلت قائمتها الممثلة بتحالف الفتح في المرتبة الثانية بعد قائمة سائرون التي يدعمها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، محرزة 47 مقعدا في البرلمان المكون من 329 مقعدا.

ورغم أنّ تلك الميليشيات استغلّت آنذاك السمعة التي اكتسبتها لدى بعض الأوساط الشعبية بفعل مشاركتها الفاعلة في حسم الحرب ضدّ تنظيم داعش، فقد احتاجت لتحصيل ذلك المكسب الانتخابي الكبير إلى استخدام أساليب غير مشروعة من بينها توظيف المال السياسي لاستمالة بعض الأوساط، والتهديد بقوّة السلاح لترهيب أوساط أخرى وانتزاع أصواتها الانتخابية عنوة، ثم إلى التزوير عندما لم تكن كل الطرق ناجعة في الحصول على الأصوات الكافية للفوز بمقاعد نيابية عن بعض المناطق.

وبسبب هذا الدخول المدوي عبر بوابة البرلمان، أتيح للميليشيات غطاء سياسي واسع كي تقدم نفسها لاعبا أساسيا في المشهد العراقي، رغم سلاحها المنفلت وأنشطتها الخارجة عن القانون وتورطها في انتهاكات وتجاوزات واعتداءات على مصالح مدنية وعسكرية وأملاك عامة وخاصة وبعثات دبلوماسية.

وتريد الميليشيات المحافظة على الغطاء السياسي الذي توفره مشاركتها في البرلمان بأي ثمن، لكنها تواجه تحديا قد يخرج عن حدود سيطرتها هذه المرة، وهو الغضب الشعبي الذي عبّرت عنه حركة الاحتجاج غير المسبوقة بدءا من أكتوبر 2019.

ويتهم متظاهرو أكتوبر “ذيول إيران” في إشارة إلى زعماء الميليشيات وشخصيات سياسية شيعية متطرفة، بالمسؤولية عن انهيار مؤسسات الدولة وتلاشي هيبتها، فضلا عن ضياع مئات المليارات من المال العام منذ 2003.

وتقول الميليشيات إن المتظاهرين يخططون للاحتكاك بممثليها إبان استعدادهم للمشاركة في الانتخابات. وتضمر هذه الإشارات مخاوف كبيرة من أن يتحرك الشارع لمنع الميليشيات من تجديد حضورها في البرلمان، ما قد يضطرها للرد، وبالتالي إمكانية تحول الاحتكاكات إلى مصادمات.

الانتخابات المبكرة اختبار حاسم لتماسك الوضع السياسي في العراق وتجنب السقوط في نزاع شيعي - شيعي مسلح

ويقول مراقبون إن هذا الأمر يتحول إلى كابوس لدى الميليشيات التي تجد نفسها محاصرة شعبيا، ولا تملك حرية الحركة في الشارع، بسبب تراجع شعبيتها على خلفية تراجع شعبية إيران في أوساط شيعة العراق والمنطقة عموما.

وفي مدينة الناصرية جنوب البلاد، ذات الثقل الشيعي المعتبر والرمزية المؤثرة في مضمار مواجهة تنظيم داعش، لم يترك المتظاهرون مقرا مفتوحا لأي حزب أو ميليشيا على صلة بإيران.

ووصل الغضب بالمتظاهرين إلى درجة أنهم هدموا مقرات بعض الأحزاب والميليشيات باستخدام الجرّافات، متهمين هذه الجهات بالمسؤولية عن العشرات من أعمال الاغتيال والخطف والتغييب التي طالت زملاء لهم في حركة الاحتجاج، آخرهم الناشط سجاد العراقي الذي تشير أصابع الاتهام إلى منظمة بدر بزعامة هادي العامري بالمسؤولية عن اختفائه.

وتضغط الميليشيات على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي كي يتدخل في الجنوب لمنع المتظاهرين من التعرض للأحزاب والميليشيات الموالية لإيران خلال عمليات التحضير للانتخابات، وسط تزايد الهمس بوجود تفاهم سري من رئيس الحكومة وقادة حركة الاحتجاج يتعلق بالتضييق على بعض الأطراف السياسية.

وينفي مقربون من الكاظمي هذه المزاعم، لكن مؤشرات توحي بتوافق رغبات المتظاهرين والكاظمي بشأن ضرورة إخراج جماعات السلاح المنفلت من المشهد السياسي.

وستكون مهمّة الميليشيات الشيعية والأحزاب المرتبطة بها خلال الانتخابات المبكّرة أكثر تعقيدا قياسا بالانتخابات الماضية، إذا أجريت وفق معايير النزاهة والشفافية، وهو أمر وارد في حال شاركت الأمم المتحدة وجهات دولية في مراقبتها والإشراف عليها، خصوصا وقد أبدت المنظمة الأممية اهتماما مبكّرا بذلك الاستحقاق الانتخابي عبّرت عنه ممثلتها في العراق جينين هينيس بلاسخارت في لقائها الأخير بالمرجع الشيعي العراقي الأعلى علي السيستاني الذي اعتبر بدوره في بيان نشره مكتبه عقب اللّقاء أنّ “الانتخابات النيابية المقرّر إجراؤها في العام القادم تحظى بأهمية بالغة”، مشجّعا العراقيين على المشاركة فيها بكثافة، ومحذّرا من أنّ “مزيدا من التأخير في إجراء الانتخابات أو أجراءَها من دون توفير الشروط اللاّزمة لإنجاحها بحيث لا تكون نتائجها مقنعة لمعظم المواطنين، ستؤدي إلى تعميق مشاكل البلد والوصول.. إلى وضع يهدد وحدته ومستقبل أبنائه”.

ويعتقد مراقبون أن لحظة الاقتراع المقبل، ستشكل اختبارا حاسما لتماسك الوضع السياسي في البلاد والعبور الآمن نحو المرحلة المقبلة من دون السقوط في نزاع شيعي-شيعي مسلح.

3