غضب المرأة.. شعور بالإحباط تعززه نظرة مجتمعية قاصرة

نصادف في حياتنا اليومية جملة من المعايير المتناقضة في الحكم على الناس، وفق تصنيفاتهم ضمن فئات معينة؛ كالدين، العرق، الجنسية، الفئة الاجتماعية أو الاقتصادية، العمر، الجنس وغير ذلك، حيث يتم الكيل بمكيالين في حسم آرائنا ومواقفنا تجاه البعض بمقياس غير دقيق وهكذا يفعل بقية أفراد المجتمع، وخير مثال على ذلك ميلنا للتفاضل بين الرجل والمرأة في تفسير سلوكهما خاصة ما يعكس نواحي القوة في الشخصية.
الأربعاء 2016/11/09
مشاعر وسلوكيات الغضب ظاهرة منتشرة ومدمرة

يفسر سلوك إظهار الحزم والإصرار على تحقيق الهدف بشتى الوسائل إذا صدر عن رجل، بكونه إشارة إلى قوة الشخصية، أما إذا صدر السلوك ذاته عن امرأة فهو يبدو (بالإجماع أحيانا) عدوانية وقسوة وربما وقاحة. هذا الأمر ينعكس بالطبع على مجمل التصنيفات المجتمعية للأشخاص وفق انتماءاتهم المختلفة.

وفي سلسلة من الدراسات المهمة في هذا الإطار، وجدت جيسيكا ساليرنو، الأستاذ المساعد في علم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أريزونا الأميركية، بالتعاون مع لينا بيتر، وهي أستاذ مساعد في علم النفس التطبيقي في جامعة جنوب إلينوي، أن الغضب يعزز من مكانة الرجل الاجتماعية بينما ينتقص من شخص المرأة! وتتساءل الباحثتان: هل تعبر كل النساء عن مشاعرهن بالغضب بنفس الأسلوب ومستوى الشدة؟، وإذا كان الحال كذلك، هل يشعرن بأنهن شخصيات مشاكسة أم قوية وذات عزيمة، وكيف يعاملهن أفراد المجتمع كرد فعل لغضبهن؟

الغضب قد يكون مؤذيا ومدمرا للمرأة بشكل عام، إلا أنه مدمر ومؤذ للرجال أيضا وبالصورة ذاتها

في كتابها الأكثر شعبية “الرقص من الغضب”، تشير عالمة النفس هارييت ليرنر إلى أن فعل الغضب هو إشارة أو علامة مهمة قائمة لسبب ما، ويتوجب علينا أن نتعلم كيفية الاستماع إليها وفك شفراتها على الرغم من أن، “أغلب السيدات يحاولن إسكات هذه الإشارة بسبب تأثيرها السلبي على الناس المحيطين بهن، وحين تحاول البعض من السيدات أن يطلقن لأنفسهن العنان ويعبّرن عن غضبهن فإنهن في الغالب، ينتهين بشعور يعزز ضعفهن وعجزهن”.

وترى ليرنز أن الغضب إذا صدر عن رجال أو سيدات في مواقع القوة والسلطة مثلا، فإنه في الأغلب يعبّر عن حالة نفسية داخلية هشة حيث يستخدم هؤلاء الغضب سلاحا للسيطرة على الآخرين في محاولة غير مسالمة لإخضاعهم لسلطتهم.

وترى ديان بارث؛ وهي معالجة وطبيبة نفسية في إحدى عيادات مدينة نيويورك الأميركية، أن الغضب قد يكون مؤذيا ومدمرا للمرأة بشكل عام، إلا أنه مدمر ومؤذ للرجال أيضا وبالصورة ذاتها ومع ذلك فهو في الحالتين ليس بالسوء الذي نظن؛ فالنساء والرجال الذين يعترفون بغضبهم وبالإحباط الذي يرافقه وبكونه جزءا من الطبيعة البشرية، لا يجدون حرجا في التحدث عما أزعجهم ودفعهم إلى التعبير عن مشاعرهم بهذه الصورة السلبية، ومع ذلك نجدهم لا يترددون في تحمل مسؤولية أخطائهم بل ويعترفون بعيوبهم ويسعون لفعل كل ما هو جيد عندما يكون ذلك ممكنا.

وتتساءل بارث في مقالها الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية، ماذا يتعين على المرء فعله إذا كان ضحية لسياسة مجتمع يكيل بمكيالين، وفي حالتنا هنا؛ التمييز المجحف بين غضب المرأة وغضب الرجل، وذلك بتبرير انفعال الرجل وتعليل غضب المرأة بالعدوانية وليس كونه حقا من حقوقها للتعبير عن شعور بالرفض والاعتراض على واقع لا تحبه أو ترفضه.

الغضب يعبّر عن حالة نفسية داخلية هشة

وينصح متخصصون المرأة التي تعاني من موجات غضب مفاجئة بأهمية أن تبدد انفعالها بشكل كلمات لكن ليس بالضرورة أن تكون كلمات موجهة مباشرة إلى أشخاص تسببوا في تأجيج غضبها، وبدلا من ذلك يمكنها أن تدونها في دفتر مخصص لذلك، أو تتحدث إلى صديقة أو صديق تثق به، وبهذه الطريقة، يمكن احتواء الانفعال أيا كانت شدته، وربما معالجة الأسباب من دون التعرض مباشرة إلى الشخص المعني وإثارة حنقه أو المساس بمشاعره بكلمات جارحة غير متزنة، بتأثير لحظة الغضب هذه.

أما الأهم من ذلك، فهو معرفة مصدر هذا الغضب؛ هل هو ناتج عن شعور بالإحباط أم شعور بالعجز؟، وفي الغالب يأتي المصدران معا كسببين متوازيين، وفي حالة معرفة السبب، تقول بارث، يتعين على الغاضب اختيار القيام بسلوك مناسب لتبديد حدة انفعاله، وهو في ذلك أمام خيارين، فهل عليه أن يواجه الآخر بغضب أم يفضل التحدث معه بهدوء؟ وإذا كان الشخص الغاضب سيدة، فهل ستسمح لشخصيتها “الشريرة” أو “العدوانية” بأن تبرز على سطح الصراع مع الآخر؟ أم أنها تفضل خيارا أكثر صعوبة لكن نتائجه ستكون حتما في مصلحة الطرفين؛ أن تتجاهل ببساطة كل ما يثير حنقها وغضبها، ومواصلة التحرك إلى الأمام وكأن شيئا لم يحدث؟

وتؤكد الدراسات الحديثة على أن مشاعر وسلوكيات الغضب أصبحت ظاهرة منتشرة ومدمرة في البعض من المجتمعات، الأمر الذي أدى ببعض المتخصصين في علم النفس إلى المطالبة بإدراج هذا السلوك في قائمة الاضطرابات النفسية، باعتباره اضطرابا نفسيا مستقلا أطلق عليه بعضهم اصطلاح “اضطراب ما بعد نوبات صدمة الغضب”، وهو يشبه اضطراب ما بعد الحوادث المؤلمة، وفيما يبقى المصابون باضطراب ما بعد الحوادث المؤلمة خائفين وقلقين، فإن الأشخاص الذين يعانون من نوبات الغضب المستمرة يعودون بعد انتهاء النوبة إلى مزاجهم الطبيعي، للبحث عن الثأر، حيث يبدو العالم بالنسبة إليهم غير عادل فينتابهم شعور بالإحباط واليأس مرة أخرى.

ويشير باحثون إلى أن هؤلاء الناس في العادة يتمتعون بالطيبة ويمارسون أنشطتهم وأعمالهم وعلاقاتهم الإنسانية بجدية وحرص كبيرين، لكن عندما يشعرون بالإساءة وغياب العدالة فإنهم يتقمصون دور الضحية في محاولة يائسة لتغيير واقعهم ويبدأون بالبحث عن الانتقام والثأر لكرامتهم.

21