غضب شعبي يهدد الإصلاحات الاقتصادية في مصر

احتجاج المواطنين يؤكد أن الحكومة تفتقد الحنكة في التعامل مع أولوية الإنفاق وغياب الرؤية في تقدير الموقف.
الأحد 2018/05/13
فوق احتمال المواطن

القاهرة  - أظهرت الاحتجاجات التي نظمها المئات من المواطنين من مستخدمي مترو الأنفاق رفضا لزيادة أسعار التذاكر، ارتفاع منسوب الغضب ضد الحكومة في مصر، واتجاه المتضررين من سياسات الإصلاح الاقتصادي إلى تغيير نهج الاعتراض من الرضوخ للأمر الواقع إلى الاحتجاج العلني.

وانتشرت قوات الشرطة مدفوعة بعربات مكافحة الشغب أمام محطات مترو الأنفاق للحيلولة دون خروج الغضب الجماهيري عن السيطرة خشية تحوله إلى مظاهرات في الشوارع والميادين، في سابقة أولى منذ تولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حكم البلاد قبل أربع سنوات.

وكان هشام عرفات وزير النقل قرر، مساء الخميس، مضاعفة أسعار تذاكر قطارات مترو الأنفاق لأكثر من 250 بالمئة وبدء تنفيذها الجمعة، في ثاني زيادة لأسعار التذاكر في أقل من عام.

وتبرر الحكومة القرار بوجود خسائر متراكمة في شبكة مترو الأنفاق تصل إلى 600 مليون جنيه (نحو 35 مليون دولار)، مع أن أكثر من ثلاثة ملايين راكب يستقلونه يوميا، ويُنتظر أن يكون عائد الأسعار الجديدة مضاعفا.

وألقت قوات الشرطة القبض على 10 أشخاص، السبت، إثر ارتكاب أعمال شغب في البعض من محطات المترو، بالتزامن مع اقتحام ركاب مكاتب التذاكر رفضا للأسعار الجديدة وحدثت اشتباكات مع قوات الأمن.

ويعكس الحراك الجماهيري الغاضب أن الكتلة الحرجة في الشارع لم يعد بإمكانها تحمل أعباء وتكاليف إضافية في برنامج الإصلاح الاقتصادي، مهما تعددت إيجابياته مستقبلا وأن الحديث عن الاصطفاف الوطني خلف الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة لم يعد مقبولا.

ويرى مراقبون أن الاحتجاج ضد الغلاء، مهما كان بسيطا حتى الآن، رسالة تحذير بأن ما تعوّل عليه الحكومة من التزام المواطنين الصمت تمسكا بالاستقرار والخوف من تحوّل مصر إلى دولة تعج بالصراعات والانقسامات مثل البعض من جيرانها، أصبح رهانا خاسرا. وتوقع هؤلاء بأن القرارات المرتقبة حول زيادة أسعار مشتقات البترول والكهرباء ومياه الشرب ووقف الدعم لغالبية السلع تماما لن تمر في هدوء.

الشارع المصري لم يعد بإمكانه تحمل أعباء وتكاليف إضافية في برنامج الإصلاح الاقتصادي، مهما تعددت إيجابياته مستقبلا

وقالت نادية رزق التي شاركت في وقفة احتجاجية بإحدى محطات المترو لـ”العرب”، إن “الحكومة ما زالت تعتقد أن صمت الفقراء سوف يطول خشية التحول إلى مصير سوريا وليبيا واليمن والعراق.. للأسف هي لا تفكّر في أن بسطاء مصر لم يعودوا يمتلكون شيئا يبكون عليه”.

وأكثر ما دفع سمير صدّيق، شاب ثلاثيني، إلى أن يقود الهتاف ضد الحكومة بمحطة عين شمس شمال شرق القاهرة في حضور ضباط الشرطة، أن “الحكومة لم تعد تفكّر في حلول لمواجهة أزماتها المالية سوى جيوب الغلابة لأننا صامتون”.

 وأضاف لـ”العرب”، أن أكثر القطاعات الحكومية أصبحت تحمّل إخفاقاتها في إدارة المرافق على الناس برفع أسعار الخدمة، وهذا قد يؤدي مع الوقت إلى انفجار بركان الغضب ضد الحكومة، والأزمة أن التيارات المناوئة للنظام، مثل الإخوان وأنصارهم، سوف يستغلون ذلك للانتقام والثأر.

ويرى متابعون أنّ لدى قطاع من المواطنين شعورا بأن الحكومة تواصل الضغط على البسطاء وتحملهم فاتورة الإصلاحات الاقتصادية دون البحث عن حلول مبتكرة وغير تقليدية لمواجهة الأزمة المالية في البلاد، وهو ما يوسّع القاعدة الجماهيرية الساخطة عليها.

ويبرهن أصحاب هذا الرأي على ذلك، بأنه كان بإمكان وزارة النقل أن تضع حلولا تزيد بها عائدات تشغيل المترو بعيدا عن رفع الأسعار، مثل تعميم نظام البطاقات الذكية واستثمار متاجر التذاكر وشاشات العرض بالمحطات والعربات من خلال الإعلان عليها.

وقال خالد داوود رئيس حزب الدستور إن “الحكومة في مصر راهنت على صمت الناس مثل باقي التجارب السابقة في موجة رفع الأسعار، لكنها اصطدمت بالحقيقة”. وأضاف “للأسف كانت تعتبر أن هذا الصمت يساوي الرضا والقبول دون مراعاة لحقيقة الغضب المكتوم”.

وأوضح لـ“العرب”، أن احتجاج المواطنين يؤكد أن الحكومة تفتقد الحنكة في التعامل مع أولوية الإنفاق وغياب الرؤية في تقدير الموقف فضلا عن تقديم حجج غير مقبولة من المسؤولين حول أسباب تحريك الأسعار.

وأظهرت الأزمة خواء مصر من السياسة، حيث اختفت ردود فعل الأحزاب والقوى الوطنية وأكثر أعضاء مجلس النواب، حتى أن تبريرات المسؤولين افتقدت الحس السياسي في التعاطي مع غضب الناس. ويقول متابعون إن غياب الأحزاب السياسية ونواب البرلمان الذين يتبنون مشكلات البسطاء ويتحدثون بلسانهم، من شأنه أن يوسع قاعدة الاحتجاج ضد الحكومة. ويرون أن الناس قد يجدون أنفسهم مدفوعين للقيام بحراك نوعي في الشارع لتعويض غياب المعارضة التي لم يعد لها وجود حقيقي في مصر.

3