غضب متبادل بين التطرف الإسلامي واليمين الغربي

الحل في خلق هوية مشتركة لإجبار الطرفين على التراجع، وتنامي الأفكار اليمينية والإسلامية يؤكد أهمية فهم تفاعل التهديدين.
الجمعة 2018/05/25
عالم واقع بين تطرفين

في كتاب "الغضب: الحلقة المفرغة بين المتطرفين الإسلاميين وجماعات اليمين المتطرف في الغرب"، تسلط الباحثة والكاتبة الأسترالية جوليا إيبنر المتخصصة في شؤون الإرهاب والتطرف، الضوء على تنامي الجماعات الإسلامية المتطرفة، إلى جانب تنامي اليمين المتطرف في بداية القرن الحادي والعشرين، وتدرس التفاعل بينهما.

وتقول إيبنر إن هناك من أطلق على هذا العصر عصر “البوتينية”، أو عصر “الترامبية”، لكنها من جهتها، تسميه عصر “الغضب”. وجاءت التسمية لاعتقادها أن الغضب في عصرنا ينتشر في كل مكان؛ مشيرة إلى ما يشهده العالم من تنامٍ للكراهية والعنف، وارتفاع مستويات الجريمة، وازدياد التحديات الأمنية، ولا سيما التنامي الواسع لليمين المتطرف، والتنظيمات الجهادية الإسلامية.

وبالرغم من أن العالم يشهد تطورات كبيرة من حيث التعليم والصحة والتكنولوجيا والتنمية، إلا أنه يظل على بُعد خطوة من الدخول في فوضى كاملة. في الأمس شهدنا صعود هتلر، واليوم نشهد عالما مضطربا مرة أخرى.

وتُظهر الكاتبة قلقها من صعود الحركات القومية والشعبوية؛ التي تنادي بشعارات تعبر عن الارتداد العالمي عن مبادئ التعاون الدولي لصالح سمو المصالح القومية. وتقول “أخاف أن أهمس لنفسي أن البشرية لن تتعلم من التاريخ ولا حتى من أسوأ الأجزاء منه.. التي حصلت من فترة غير بعيدة”.

وفي 2 مايو 2011، استبشر الملايين من الأميركيين الذين كانوا ينتظرون قيام القوات الخاصة الأميركية بقتل أسامة بن لادن، بعد عملية مطاردة استمرت 13 عاما، من الهجمات الإرهابية على أبراج التجارة العالمية والبنتاغون.

العداء المتبادل المتخيل ما بين الجماعات الإسلامية المتطرفة واليمين المتطرف، خلق حلقة مفرغة من الكره

واحتفل البعض ظنا منهم أن العالم سيكون “مكانا أكثر أمنا”، وأن العالم سيشهد نهاية التطرف العالمي، حيث شلت حركة طالبان والقاعدة، وتحدث خبراء مكافحة الإرهاب عن تراجع الجماعات الإرهابية الإسلامية. وعلى مدى أقل من ثلاث سنوات، أعلن تنظيم داعش عن تأسيس الخلافة، وعادت الولايات المتحدة إلى العراق.

وبحلول عام 2016، أصبحت المساحة التي يسيطر عليها داعش تعادل حجم بريطانيا، تضم أكثر من 30 ألف مقاتل أجنبي. وفي الحقيقة، لم يكن التطرف الإسلامي قد اختنق فعلا، وتبين أن هزيمة جماعة إرهابية قد تؤدي إلى تحقيق الاستقرار في منطقة ما مؤقتا، أو توقف هجماتها، ولكنها لا تُلغي التهديد طويل الأمد الذي يشكله التمرد الجهادي العالمي.

ويدرس الكتاب التفاعل ما بين جماعات اليمين المتطرف في الغرب والجماعات الإسلامية المتطرفة، وينظر في كيفية تفادي خطرهما. وتعتقد الكاتبة أن فهم العوامل الدافعة وراء التطرف المتبادل ومظاهره وظروفه الملموسة، يُشكل خطوة حاسمة لاستخلاص توصيات تهدف إلى منع الهجمات الإرهابية مستقبلا.

ويشترك اليمين المتطرف والجماعات الإسلامية المتطرفة في تعزيز روايات بعضهما البعض، من خلال اعتقاد اليمين بأن الإسلام في حرب مع الغرب، واعتقاد الجماعات الإسلامية المتطرفة، أن الغرب في حرب مع الإسلام، ذلك ما يُسهم في تعزيز الكراهية والغضب باسم “الغضب المتبادل”.

وتشير الكاتبة إلى أن الخطوة الأولى في التصدي للتطرف، تكمن في الاستماع إلى قصص المتطرفين. ولهذا السبب قررت مقابلة جهات في كل من اليمين المتطرف والجماعات الإسلامية المتطرفة.

البشرية لن تتعلم من التاريخ
البشرية لن تتعلم من التاريخ

وشهدت الكاتبة فعاليات أقامها كل من حزب التحرير ورابطة الدفاع الإنكليزية، التي كانت قد أُقيمت يوم السبت الخامس من نوفمبر عام 2016. وركز خطاب رئيس حزب التحرير في المملكة المتحدة عبدالواحد، حول القضايا التي تُثير غضب المسلمين وتأجج مشاعرهم، مشيرا إلى قمع المسلمين في كشمير، واغتصاب الهنود للنساء الكشميريات، والذي اعتبره واحدا من أشكال العذابات التي يعيشها المسلمون حول العالم.

وأضاف أن فرنسا عززت التمييز ضد المسلمين، من خلال حظر الحجاب للطالبات، لافتا إلى حظر ألمانيا للنقاب في المدارس، وفي هولندا هناك من يريد حظر القرآن، وفي أستراليا دعا حزب الأمة إلى فرض حظر على المهاجرين المسلمين. واعتبر في هذا السياق أن قيم الليبرالية والتسامح التي يتحدث عنها الغرب تبدو هشة.

يتقارب الخطاب وآلية العمل في الرابطة الإنكليزية للدفاع وحزب التحرير بشكل لافت، ذلك أن كليهما يحرّض على الكراهية ضد الآخر، وتكمن الأزمة في اعتقاد كل منهما أن الطرف الآخر يُمثل المجتمع ككل. على ضوء التنامي العالمي لليمين المتطرف والجماعات الإسلامية المتطرفة، تظهر أهمية تعزيز فهم التفاعل بين التهديدين اللذين يعاملان غالبا، من جانب المحللين والسياسيين على حد سواء، على أنهما معزولان.

وناقشت الكاتبة أصول الفكر المتطرف لدى الجماعات الإسلامية، وفي هذا السياق لفتت إلى إرث فكر ابن تيمية وأبي الأعلى المودودي، وتنظيرات حسن البنا وسيد قطب. ومن جهة أخرى، تناولت الكاتبة الموجة الجديدة من صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة.

وتشير هنا إلى اندراجها في قسمين وهما: الجماعات المتطرفة العنيفة والجماعات المتطرفة غير العنيفة، مشيرة إلى أن هذه الجماعات ليست كلها جهادية. لافتة إلى وجود المئات من المجموعات المتطرفة التي لا تدعو إلى الجهاد، وأخرى تنظيمات جهادية كتنظيمي القاعدة وداعش. وبصرف النظر عما إذا كانت الجماعات المتطرفة الإسلامية عنيفة أم لا، فإن الطرفين يشتركان في الهدف نفسه، الذي يتمثل في إقامة الخلافة وتطبيق الشريعة؛ وإن ما يختلفان فيه فقط هو الطريقة التي يسعيان من خلالها لتحقيق أهدافهما.

وقامت الكاتبة بتتبع تاريخ صعود أفكار اليمين المتطرف، مشيرة إلى أفكار القومية والفاشية في منتصف القرن العشرين، واللاسامية والنازية، وما لحقها من صعود لأفكار تقف ضد المسلمين والهجرة منذ ثمانينات القرن العشرين.

وبخصوص الموجة الجديدة من صعود اليمين المتطرف في العالم، تشير الكاتبة إلى تفشي الجماعات الإرهابية، في المرحلة التي لحقت أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث شهدت الولايات المتحدة الأميركية وحدها في المتوسط 337 هجوما، من جماعات تنتمي لليمين المتطرف سنويا.

وتعتقد الكاتبة أن تنامي اليمين أمر طرأ نتيجة الفوضى ودور وسائل الإعلام، وتدفق أعداد من المهاجرين واللاجئين، وعوامل أخرى أسهمت في تحويل أوروبا إلى “أورابيا”، الوصف الذي استخدمته الكاتبة للتعبير عن التحول في قارة أوروبا نتيجة الهجرات العربية والمسلمة إليها.

الحلقة المفرغة ما بين الطرفين نتجت عن تصاعد الغضب والكراهية
الحلقة المفرغة ما بين الطرفين نتجت عن تصاعد الغضب والكراهية

تعتقد الكاتبة اشتراك كل تيارات اليمين المتطرف والجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية في جمودها وتصلبها تجاه الأمور والقضايا، حيث تأخذ الأمور بحرفية تامة.

ويرى الإسلاميون أن الغرب في حرب مع الإسلام بينما يرى اليمين المتطرف أن الإسلام في حرب مع الغرب، هذا ما يجعل الطرفين في عداء دائم، ونظرا لقيامهما بسرد القصص نفسها، ترى الكاتبة أنه بهذه الطريقة فإن كلا الطرفين يدعم ويعزز بعضهما البعض، حتى شكلا “وجهين لعملة واحدة”.

وفي الختام، تعتقد الكاتبة أن “العداء المتبادل” المتخيل ما بين الجماعات الإسلامية المتطرفة واليمين المتطرف، خلق حلقة مفرغة من الكره، الأمر الذي يؤدي إلى رفع وتيرة العنف بين الطرفين والهجمات الإرهابية، والتي ستؤدي إلى المزيد من تقسيم المجتمعات.

وتخلص الكاتبة إلى أن الحل يكمن في خلق هوية مشتركة قوية تعيد توحيد مجتمعاتنا المقسمة لإجبار الطرفين على التراجع، وتقترح تشجيع التفكير النقدي والإبداع لاعتقادها بأن الحلقة المفرغة ما بين الطرفين نتجت عن تصاعد الغضب والكراهية.

نشر في مركز المسبار للدراسات والمبحوث، لجمانة مناصرة في 29 مارس 2018 قراءة لكتاب جوليا إيبنر "الغضب: الحلقة المفرغة للمتطرفين الإسلاميين ومجموعات اليمين المتطرف في الغرب".

13