غطاء الرأس في الثقافة العربية تجاوز وظيفته الأصلية إلى رمز للهوية

ابتكر الإنسان منذ القدم أغطية للرأس يرتديها الرجال والنساء والأطفال استجابة للحاجة لحماية الرأس من عوامل المناخ والطبيعة القاسية. واختلفت أشكال وتسميات وأنواع هذه الأغطية حسب البيئة وحسب المرتدي ثم تطورت عبر التاريخ لتنتقل من مرحلة الحماية من الطقس إلى أغراض الزينة فمثلت علامة من علامات الانتماء الاجتماعي حيث تختلف في شكلها وزينتها بين الثري والفقير، وطور العرب المسلمون غطاء الرأس القديم للرجال الذي بدأ بالعمامة ليتحول إلى أغطية متنوعة ومختلفة.
الاثنين 2015/08/24
أغطية الرأس العربية على تنوعها زينة للرجل وعلامة دالة على هويته

لندن - لم تقف تغطية الرأس عند أغراض الحماية من عوامل الطبيعة على العرب المسلمين بل اقترن تاريخها بتاريخ ابتكار وارتداء الملابس فارتدى الإنسان في القطب الشمالي والدول الباردة قبعات من فراء الحيوان لحماية الرأس من برودة الطقس كما ارتدى العرب قطع قماش تغطي رؤوسهم وتحميها من المناخ الصحراوي الحار. هذه الحاجة الطبيعية جعلت صناعة وتصاميم أغطية الرأس تزدهر وتتنوع مواكبة في ذلك تطور الإنسان وتقدمه.

عوامل كثيرة وقفت وراء تنوع واختلاف أشكال أغطية الرأس للرجال منها المناخ وما يتوفر في الطبيعة من مواد أولية لصناعة الأغطية ومنها تطور الإنسان في ثقافته ونظرته للأشياء فغطاء الرأس انخرط في التعبير عن الانتماء وعن الهوية وعن تطور الصناعة والأقمشة وتطور فنون الزينة والتصاميم والرسم والتطريز ومنذ الحضارة الفرعونية في مصر نحا غطاء الرأس نحو القوة التعبيرية فنجد الأسياد والحكام يرتدون أغطية تميزهم بزينتها وبقيمة المواد التي تصنع منها عن عامة الشعب وحتى عن النبلاء فمن خلال الغطاء يتعرف الناظر على مكانة الشخص في المجتمع وعلاقته بالسلطة وأحيانا عن وظيفته.

ومنذ فترة ما قبل الميلاد اتخذ غطاء الرأس وظيفته التعبيرية وكان مثله مثل بقية الملابس حقلا دلاليا يرمز للشياكة والثراء أو للبساطة وبحسب المؤرخين فقد ارتدى المصريون القدماء التاج آلاف السنوات قبل الميلاد، مثلما ارتدى الرومان والإغريق قبعات تدل على مكانتهم الاجتماعية، ومع التصاق الأغطية على اختلاف أشكالها بحياة الإنسان تحولت إلى وسيلة للتجمّل، وشهدت تطورا جماليا في أشكالها. كما تطورت صناعتها التي باتت مصدر رزق للكثيرين تدر عليهم تجارتها أرباحا مالية هامة.

غطاء الرأس عند العرب له تسميات كثيرة منها الشماغ والحطة والكوفية والطربوش والغترة والشاشية والعمامة

ومن خلال اللقى الأثرية والرسوم واللوحات القديمة تمكن المؤرخون من استنتاج وظيفة صاحبها ومكانته الاجتماعية وانتمائه وذوقه في اللباس والثقافة التي ينحدر منها وأصوله. هذا ما جعلها اليوم تبلغ درجة الرمز الثقافي المعبر عن الهوية والانتماء لدولة دون غيرها، ولم تختلف علاقة الإنسان في شبه الجزيرة العربية بغطاء الرأس كثيرا عن بقية دول العالم إلا أنها تميزت أولا بطابعها الخاص الدال على ثقافة وديانة وتقاليد الدول العربية وثانيا صمدت صناعتها وارتداؤها إلى اليوم رغم انفتاح العرب على العالم ومواكبتهم للعصر وللعولمة. ومازال العرب المسلمون في دول الخليج خاصة يعرفون بارتداء غطاء الرأس المتكون من قطعة قماش توضع على الرأس وتسمى في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وغيرهما بالشماغ أو الغترة ويعلوها العقال الذي يثبت الشماغ على الرأس.

وأغلب أغطية الرأس الموجودة اليوم في الدول العربية الاسلامية مستوحاة من العمامة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل الإسلام ثم ظهرت في لباس الرسول (ص) فتعزز وجودها عند المسلمين المقتدين به ورسخت في تقاليدهم وعاداتهم حيث كان الشاب يرتديها منذ صغره. وتلفّ العمامة بعشرات الطرق المختلفة حسب الغاية وحسب ذوق المرتدي كما يسهل تشكيلها بما أنها قطعة قماش طويلة يضاعف طولها محيط الرأس وأحيانا تسدل على الأكتاف أو تلف بها الرقبة أو تغطى بها أجزاء من الوجه كالفم للاحتماء من الرمال الصحراوية أثناء هبوب الرياح القوية. وجمعت العمامة العربية اليوم بين وظائفها الأصلية في الاحتماء من الطبيعة وبين الحفاظ على زيّ الأجداد وتقاليدهم المتوارثة في اللباس إضافة إلى اقترانها بالجانب الروحي والديني اقتداء بالرسول عند المسلمين.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنه دخل مكة يوم الفتح معتجراً بعمامة سوداء” بمعنى أنه لفها على رأسه ولم يلتحف بها”. وظلت العمامة إلى اليوم غطاء رأس منتشرا لدى الشعوب العربية مع اختلاف أنواعه وألوانه وأشكاله من مكان إلى آخر واختلاف دلالاته خاصة من حيث الانتماء والديانة فمثلا العمامة عند الشيعة تنقسم إلى قسمين العمامة البيضاء ويرتديها عموم رجال الدين أو طلاب الحوزة العلمية والعمامة السوداء التي يرتديها رجال الدين وطلاب العلم من الذين يرجع نسبهم إلى علي بن أبي طالب.

أما العمامة عند أهل السنة فيرتديها اليوم علماء الأزهر الشريف مثلا وهي عبارة عن طربوش أحمر يلف حوله قماش أبيض. هكذا تبوح العمامة لا فقط بديانة مرتديها بل أيضا بانتماءاته الأيديولوجية والمذهبية. والعمائم موجودة اليوم في اللباس اليومي وكذلك المناسباتي في عدد من الدول العربية مثل سلطنة عمان والأردن واليمن والسودان والعراق وفلسطين وسوريا وفي الصعيد المصري وفي بعض دول المغرب مثل ليبيا.

حافظ العرب على العمامة وطوروها بتطور ثقافاتهم وصناعاتهم

ولغطاء الرأس عند العرب تسميات كثيرة منها الشماغ والحطة والكوفية والطربوش والغترة والطاقية والشاشية والعمامة والكوفية التي اعتاد الفلاح في فلسطين أن يضعها لتجفيف عرقه أثناء حراثة الأرض ولوقايته من حر الصيف وبرد الشتاء، وارتبط اسمها بالكفاح ضد المستعمر منذ ثورة 1936 في فلسطين، حيث تلثم الفلاحون الثوار بالكوفية لإخفاء ملامحهم أثناء مقاومة القوات البريطانية في فلسطين، وذلك لتفادي اعتقالهم أو الوشاية بهم، ثم وضعها أبناء المدن وذلك بأمر من قيادات الثورة آنذاك. ولكل منها طابعها الخاص وانتماؤها الجغرافي وطرق لباسها وطرق صناعتها حسب ارتباطها بالدين وبالبيئة وأيضا بالسياق الاجتماعي ففي أغلب الدول العربية ارتبطت برجال الدين وبعلية القوم من قضاة وسلاطين وحكام وهي اليوم مرتبطة بالزي الرسمي لدول الخليج وكذلك بالزي اليومي. والشماغ مثلا بات اليوم إحدى خصوصيات دول الخليج المعروفة عالميا وهي قطعة من القماش الخفيف والناعم، التي يختلف طولها وعرضها حسب مقياس الرأس ورغبة الرجل، وتصنع من القماش القطني وتزين أرضيتها بأشكال هندسية معينة ترسم باللون الأحمر أو الأسود وجميعها جاءت بعد الاستغناء عن العمامة الأصلية.

أما العقال أو المرير فقد خضع بدوره إلى تطوير في الشكل والمواد على امتداد قرون وحسب الروايات التاريخية فقد كان عبارة عن شريط طويل من القماش، ويربط مثل عصابة الرأس حيث يلف على محيطه فيزين الجبين ويعقد من الخلف ليتدلى على الرقبة والأكتاف، وهو نفس شكله المعاصر. وكان قديما يصنع من وبر الإبل ثم أدخلت شيئا فشيئا مواد أخرى لصناعته مثل صوف الماعز الذي يحول إلى خيوط منسوجة وهذه الخيوط اليوم تنسج من القطن والحرير. لكن صناعته ما تزال متشبثة بالطرق اليدوية التقليدية لأنها توفر درجة عالية من الجودة واالإتقان.

أما الطربوش الأحمر فهو أحد أغطية الرأس الذي شاع في مصر أثناء حكم محمد علي باشا وفي شمال أفريقيا وخاصة دول المغرب العربي بأحجام وأشكال متنوعة، وارتبط الطربوش في مصر بالباشاوية دلالة على علية القوم والمثقفين من طلبة وموظفين وتجار وفنانين وكذلك الحال بالنسبة لدول المغرب العربي ففي تونس مثلا ظل الطربوش علامة على مكانة مرموقة لمرتديه في المجتمع ونجد من بين أنواع الطرابيش في تونس الشاشية وهي شبيهة بالطربوش في اللون الأحمر لكن صناعتها إلى اليوم تقوم أساسا على مادة الصوف غير أن الطربوش والشاشية سواء في تونس أو في مصر باتت من التراث ومن مكونات الزي التقليدي وانحسر ارتداؤها على الاحتفالات الرسمية والدينية أو الأعراس لتغيب عن مشهد اللباس اليومي.

12