غطرسة التديُّن في تركيا

نهج راديكالي حول التقليد الإسلامي المعاصر إلى نظام فكري مغلق، وثقة وهمية عززت انفصال المسلمين عن الواقع.
الجمعة 2018/09/07
مناهضة الانقلاب بالقرآن

ثمة ضرب من التضليل صنعه العديد من الآباء المؤسسين للحركات الإسلامية، في العالم الإسلامي عموما وفي تركيا خصوصا، ينطلق من القول إن القرآن وفر كل الأجوبة لكل الأسئلة الحياتية، واستخرجت من هذه المسلمة نتائج كثيرة قوامها تعطيل إعمال العقل في الحياة والاقتصاد والعلوم، وأساسها بروز نوع من العلوية التي ينظر بها الإسلاميون إلى العلماء والفلاسفة والمفكرين. هذا التضليل المنطلق من فهم مخصوص للإسلام صنع تدينا متغطرسا أغلق باب الاجتهاد وأفرز ثقة جماعية واهية نراها ماثلة للعيان لدى كل التيارات الإسلامية.

على الرغم من أن الحركات الإسلامية في تركيا منظمة في أشكال مختلفة، فإن الكيفية التي تفسر بها كل حركة من تلك الحركات الإسلام واحدة تقريبا.

ومن بين النتائج النمطية المترتبة على هذا التأويل للإسلام ما يمكننا أن نسمّيه عجرفة التدين، وهي حالة ذهنية يرفض فيها الشخص جميع آراء أهل الخبرة والعلم، ويصر دائما على تفوق آرائه الشخصية.

والإسلام في واقع الأمر يدعو إلى الاعتدال والتواضع. ويحذر الله المسلمين في محكم آياته قائلا “فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى” (سورة النجم، الآية 32). ويقول الله أيضا “فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” (سورة النحل، الآية 43). والمسلمون الحقيقيون بنص القرآن هم “عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا” (سورة الفرقان، الآية 63).

لكن حيث أن الوَرَع بات يُنظر إليه في الغالب على أنه الالتزام بالعبادات، أصبحت التعاليم والمبادئ الأخلاقية التي جاءت في القرآن مثل التواضع ضحية للتجاهل على نطاق واسع، وباتت تُوصف على أنها ثانوية مقارنة مع تفاصيل الشرائع الإسلامية المرتبطة بالعبادات المختلفة ككيفية الوضوء على سبيل المثال.

ولفهم عجرفة التدين في سياق تاريخي، يجب تحليل ظهور التأويلات المعاصرة للإسلام في القرن التاسع عشر. فعجرفة التديّن التي نلاحظها اليوم هي نتاج للإحياء الإسلامي الضاربة جذوره في ذلك القرن.

وفي إطار إحياء الإسلام، قبلت كل تلك الجماعات مبدأ مشتركا سيصبح في وقت لاحق سمة مميزة للفكر الإسلامي ولممارسته في كل أنحاء العالم الإسلامي، بما في ذلك تركيا. وبناء عليه، أصبح من المقبول الاعتقاد بأن القرآن يشمل كل أنواع العلم والمعرفة في متنه.

وبطبيعة الحال فإن هناك استنتاجا آخر ولد من رحم هذه الجدلية، وهو أن من يعرفون القرآن يمكنهم أيضا معرفة كل شاردة وواردة في الحياة.

هذا النهج الراديكالي تجاه القرآن حوّل التقليد الإسلامي المعاصر، تدريجيا، إلى نظام فكري مغلق. وقد بات الإسلام الآن يعتبر نموذجا قائما بذاته لا يحتاج إلى أي اتصال فكري بما هو خارج نطاقه.

بيد أن مثل هذا الفكر خلق مستوى عاليا من الثقة بالذات بين المسلمين، خاصة من يلتفون حول حركات إحياء الإسلام. هؤلاء يعتقدون أن بإمكانهم حل جميع مشاكلهم، بل وحتى أن بإمكانهم تحقيق نظام سياسي واجتماعي مثالي في وقت قصير للغاية. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الثقة الوهمية في النفس تجعل الكثير من المسلمين منفصلين عن الواقع.

على سبيل المثال، الكثير من الناس في تركيا ممن يخضعون لمثل هذه الدعاية الإسلامية يعتقدون حقا أن تركيا، التي يقل حجم اقتصادها عن 800 مليار دولار، يمكنها أن تتغلب على الولايات المتحدة الأميركية التي يصل حجم اقتصادها إلى نحو 20 تريليون دولار ويمثل نحو 30 بالمئة من الاقتصاد العالمي.

حول الزعماء الإسلاميون الإسلام إلى نظام مغلق من خلال القبول بفكرة شمول القرآن على مختلف أنواع المعرفة

والثقة الواهية في الذات التي تغذّي حركات إحياء الإسلام مجتمعاتها بها هي أحد الجذور الاجتماعية الكبرى لمثل هذه الأفكار الساذجة. ولعل إلقاء نظرة عن كثب على الآباء المؤسسين للحركات الإسلامية التركية على اختلاف مشاربهم سيسلط الضوء على مشكلة الغطرسة.

مثال على هؤلاء حسين حلمي إيشيق (1911 – 2002)، وهو الزعيم الروحي لجماعة إيشيق تشيلار النافذة اليوم في تركيا، الذي وصف الحسن بن الهيثم (960 – 1040) بأنه مهرطق. ويوصف الحسن بن الهيثم بأنه مؤسس علم البصريات الحديث، وهو معروف بأنه أحد علماء الفيزياء الأكثر تأثيرا في التاريخ.

ولم يتردد إيشيق في أن يُسَفّه ابن سينا (980 – 1037)، والذي ربما يكون إحدى أشهر الشخصيات في تاريخ الفكر الإنساني، إذ وصفه بأنه كان منغمسا في “رجس الفلسفة”. ولا يختلف عنه كثيراً سعيد النورسي (1873-1960)، مؤسس الحركة النورسية؛ فبالنسبة له كان ابن سينا “مسلما عاديا”.

أما أسعد كوشان (1938 – 2001)، وهو اسم بارز في الحركة النقشبندية التركية، فقال ذات مرة إن الفلاسفة من أمثال أرسطو وأفلاطون لم تكن لديهم أفكار أصيلة وكانوا “مثلك ومثلي”. ويتبع عثمان نوري طوباش، الزعيم الحالي لحركة إرانكوي، النهج ذاته، إذ يقول إن الفارابي (توفي عام 950)، ذلك الفيلسوف الذي وُصفَ بأنه المعلم الثاني بعد أرسطو، كان شخصا يحمل أفكارا لا قيمة عملية لها.

ومثل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة أنه كانت هناك دائما مشكلة غطرسة في الجذور الفكرية للحركات الإسلامية التركية. فشخصيات مثل إيشيق والنورسي وكوشان وطوباش بالغوا في تقييمهم لأنفسهم كثيرا إلى درجة جعلتهم ينظرون نظرة فوقية إلى علماء وفلاسفة من أمثال أفلاطون أو ابن الهيثم.

إذا فليست مفاجأة أن نرى أتباع الحركات الإسلامية اليوم تطاردهم غطرسة التدين ذاتها وتجعلهم يقاومون، بعناد، رأي أي خبير من الأكاديميين أو العلماء أو المفكرين.

وشيئا فشيئا أعلن الزعماء الإسلاميون أنفسهم خبراء في الكثير من المجالات المختلفة بعد أن حولوا الإسلام إلى نظام مغلق من خلال القبول بفكرة شمول القرآن على كل أنواع المعرفة.

ترتب على ذلك أن تجاهل الإسلاميون علم الخبراء ومعرفتهم، بينما أخذ الزعماء الإسلاميون الأتراك يفسدون عقول أتباعهم بآرائهم التافهة وتعليقاتهم المستمرة على مختلف القضايا، بداية من التاريخ العثماني ووصولا إلى علوم الكونيات.

وهناك حاجة إلى تغييرين هيكليين من أجل التغلب على غطرسة التدين:

أولا، يجب إعادة النظر في فكرة التعامل مع القرآن على أنه كتاب شامل لكل أبواب المعرفة والعلم. لقد آن الأوان لأن يتذكر المسلمون أن القرآن يشير إلى أن إعمال العقل البشري هو المصدر الرئيسي للمعرفة.

ثانيا، يجب أن يتذكر الإسلاميون الأتراك التواضع الفكري. فربما يكون قد آن الأوان للتوقف عن التلقين لبعض الوقت، والبدء في التعلم من الآخرين.

13