غـربـة

الأربعاء 2014/07/16

للحب وحده القدرة على المقاومة.

كل شيء حولنا يشي بالموت والدمار.. لا خبرَ يسر.. ولا خوفَ يبرد.. ولا أمل يلوح في الأفق بشيء جميل يضع كلمة انسان في مكانها الصحيح.. الخراب يزحفُ إلينا ويهشم دواخلنا فنكبر في اليوم الواحد أعواماً فوق أعمارنا.. وكلنا نشيخ قبل الأوان..

ومن لم يمت بمفخخة أو بعبوة ناسفة أو بقصف جوي أو بتطهير عرقي أو ببرميل متفجر أو تحت خيمة لجوء.. أو تعذيباً.. أو إعداما.. أو غرقاً على تخوم بلد أوروبي.. مات في غربته كمداً وحسرة وقلقاً وعجزا!

فإلى أين نمضي بأرواحنا؟ إلى متى سننوء بحمل أوطاننا ونحن فيها أو بعيدون عنها؟ نستعيد انتماءنا وسطوة ذكرياتنا ونردّد أناشيد حبنا التي رسخت فينا دون أن نعي فحواها وجدواها.. ودون أن نعلم بأن لعنة الأوطان ستبقى تلاحقنا أينما حللنا ومهما ابتعدنا وأوغلنا في التناسي.. فنحاول أن نستقرئ رؤى جديدة مازالت تطعننا كل يوم وتزيد من وطأة إحساسنا بالخيبة.. ونجد الخوف يردّد فينا أناشيد جديدة بنسخ مزيدة منقحة: فتغدو “بلاد الموت أوطاني” بديلاً عن آمالنا وأحلامنا بغدٍ جميل يفخر به أبناؤنا.. بعد أن يئسنا نحن وآباؤنا بأن نحياه أو نلمس شيئاً من حقيقته....

حين كنت في الداخل.. كنت أكتب للحب فقط.. كنت أقاوم الحقد بالحب.. والقبح بالجمال.. والسواد باللون والسطوع.. كنت اُقاوم بالحياة مهرجانات الدم والدمار والموت اليومي.. وحين تركت الوطن خلفي لم يتركني.. بقيَ ينبض في أحشائي مثل جنينٍ لا يولد.. أو مثل أبٍ لا يموت.. صرت أكتب عن الموت بأصابع مرتجفة تحاول مقاومة الوحشة والقلق..

فالغربة لمن لم يعرفها تشرّد.. يُـتم.. ضياع من الصعب أن نعتاده دون خسائر في الروح والعافية.. الغربة قلق مزمن لا نفيق منه إلا على مزيد من القلق.. فكيف لنا أن نحتمل أخبار الأحبة هناك وقتامة نشرات الأخبار دون إحساس مميت بالحسرة؟ ندور حول أنفسنا ويكفننا احساس قاتل لا بداية ولا متن ولا نهاية له.. إحساس بالعجز وأحياناً بالذنب.. نتحسر إذا نعمنا بشيء من استقرار أو راحة.. إذا داهمتنا موجة فرح عابر أو نجاح صغير.. فيقضّ مضجعنا الإثم والتوجع..

فكيف لنا أن نقاوم حزننا ووحشتنا وقلقنا؟ كيف لنا أن نعوّض عن خيباتنا الكبيرة بطموحات صغيرة؟ أن نتماثل للشفاء من جروحنا العربية المزمنة بضمادات غربية معقمة لم تألفها ذواتنا الجريحة؟

نحن نستبدل فكرة الوطن بترتيب أمتعة العيش في بيوت مؤقتة.. ونستبدل تربته بمزهريات ننبتها في شرفات عابرة.. وحدائق صغيرة نزرع فيها أول ما نزرع نبتة تشبهنا تماماً.. لا يمكن أن تنمو في غير أرضها إلا بكثير من الصبر والصمود.. وتموت عند أول ريح لا تشبه رياح الوطن.

قد نمتثل أحياناً لكل ما يخفف عنا وطأة الابتعاد.. حملات التبرع بالدم والمال.. وقفات الاحتجاج التي قد تشكل ضغوطاً على حكومات متواطئة.. أمسيات وندوات وتجمعات للتضامن.. لا لكي نرضي ضمائرنا المتوجعة فقط.. بل لكي نحس بشيء من الوفاء لأرض احتضنتنا وآوتنا وربّتت فوق ذكرياتنا وطفولتنا وأثـْرَتْ فينا معنى الانتماء..

ولكن يبقى إكسير السحر الأهم هو الحب.. فللحب وحده القدرة على المقاومة..

هذا ما أردت قوله بدءاً وختاماً.. لا أقولها ترفاً أو بطراً.. أقولها إيماناً واعتقاداً.. فللحب وحدهُ القدرة على الفعل.. على التحمل والقوة والصمود والعطاء والتفاؤل والأمل.. وأيضا وقبل كل شيء.. القدرة على صناعة الفرح.. فوحده الحب يستطيع أن يهزم الألم ببسمة.

21