"غلاس" فيلم خيال علمي يبحر في أعماق الذات البشرية

بشر خارقون يستمدون قدراتهم من قصص الكوميكس، والطفولة البائسة تنعكس سلبا على شخصيات عُصابية.
الاثنين 2019/04/15
تجربة المصحة العقلية تكشف دواخل الشخصيات الثلاث

تبدو فرضية طريفة تلك التي تقوم على ثيمة الأبطال الخارقين الذين يستمدون قدراتهم من قصص الكوميكس، لتكون تلك القصص مصدر إلهام للعديد من الشخصيات التي تسخّر طاقاتها لأجل التغلب على الخصوم، ذلك ما يقدمه فيلم الخيال العلمي الجديد “غلاس“ لمخرجه نايت شايمالان.

كان ولا يزال للبشر الخارقين حضور ملفت للنظر في قصص الكوميكس وضمن فصيلة ما يعرف بـ“سوبر هيرو”، حيث محاكاة نزعة الخروج على العجز الإنساني أو القدرات المحدودة للإنسان لكي يتفوق ويقهر الآخرين.

شهدنا ذلك في العديد من سلاسل أفلام “السوبرمان” و“الرجل الحديدي” و“الرجل النملة” و“الرجل العنكبوت” وغيرها، حيث وظفت الكثير من الأفلام القدرات والطاقات البشرية العادية إلى ما هو خارق.

وهذه السلاسل وجدت لها على الدوام رواجا وشعبية كبيرة وظلت تنتج على أجزاء وبقي الجمهور متعطشا لها على الدوام لتصيب نجاحا تجاريا ملحوظا.

وضمن هذا الإطار يفتتح فيلم “غلاس” للمخرج نايت شايمالان بالخارقية الممتزجة بالجريمة من خلال شخصية الوحش أوكيفن ونديل كرامب، فضلا عن استبطان العديد من الشخصيات الأخرى في آن واحد، والتي يؤديها الممثل جيمس مكافوي، حيث يبدأ أول أفعاله باختطاف عدد من المراهقات لنكتشف كائنا عصابيا قادرا على اختراق المسافات وتسلق الجدران بمرونة عالية.

الفيلم يعج بالمشاهد ذات الأثر النفسي العميق، وهو بمثابة إبحار في الذات الإنسانية وهي تواجه القهر المجتمعي

وفي المقابل يبرز ديفيد (الممثل بروس ويليس) خصما لدودا، فهو لديه خبرة في اقتفاء أثر المجرمين ومن ذلك اقتفاء أثر الوحش الذي أثار الرعب بتكرار إقدامه على اختطاف الفتيات الصغيرات في مكان مهجور، وتقع المواجهة بينهما لتنتهي بهما في مصحة عقلية على الرغم من أن ديفيد هو الذي حرر الفتيات من الخطف.

وفي تلك المصحة يصبح الاثنان تحت حراسة مشددة للغاية وتحت سيطرة أجهزة صعق وكاميرات مراقبة على مدار الساعة، فيما تبدأ مهمة الدكتورة النفسانية إيلي (الممثلة سارا بولسون) التي تمارس سطوة رجال الشرطة وسلطة العقاب وهدفها المعلن هو قهر إحساس الشخصيتين بالبطولة الخارقة التي تؤذي الآخرين.

الفيلم يعجّ بالمشاهد ذات الأثر النفسي العميق وهو بمثابة إبحار في الذات الإنسانية وهي تواجه القهر المجتمعي من جهة والقوة الغاشمة من جهة أخرى، في مقابل الإحباطات المدمرة التي تعيشها الشخصيات في طفولتها المبكرة.

الطفولة في هذا الفيلم تعصف ذكرياتها القاسية وما هو مطمور بلاوعي الشخصيات، فتتجلى في العديد من المشاهد بالنسبة إلى الشخصيات الدرامية الرئيسية ديفيد وكيفين كرامب وغلاس (صامويل جاكسون)، فالأول تلاحقه ذكريات الغرق في الطفولة، بينما يقبع كرامب في سن التاسعة ولا يريد أن يغادرها لما تحمله السنوات التالية من خبرات قاسية، أما غلاس فتلاحقه هشاشة العظام منذ الطفولة فضلا عن احتجازه في حديقة الألعاب في حادث مروّع ترك في داخله أثرا عميقا.

ومن جهة أخرى يمكن قول الكثير حول أداء كيفن كرامب، إذ تقمص العديد من الشخصيات دفعة واحدة وكان يتحول من الواحدة إلى الأخرى ببراعة عجيبة، فهناك شخصية طفولية يستبطنها تعيده مسالما وطيّبا، فيما تشعل شخصية أخرى فيه نزعة الانتقام فتنتفخ أوردة عنقه وظهره وتتدفق طاقته التدميرية للقتل، وهكذا تباعا في أداء متقن ومتميز وتحوّلات نفسية وعاطفية تمت صناعتها ببراعة في المشاهد الفيلمية.

حفل الفيلم منذ البداية بصراع بين قطبين هما كرامب وخصمه العجوز ديفيد وكل منهما تتم إحالة دوافعهما في التفوّق وقهر الآخر إلى قصص الكوميكس المبكرة المكرسة لتعزيز نزعة التفوق ضد الآخر، ولهذا تحضر تلك القصص من خلال تحريّات ابن ديفيد عن سيرة والده.

الملفت للنظر أيضا هو النقطة التي انطلق منها الصراع بين الشخصيتين، فببساطة شديدة يقوم ديفيد بممارسة المشي والتجوال في الشوارع من دون وجهة محددة، وذلك على خلفية تصاعد حالات الخطف، وفيما هو يقوم بتلك الجولة المعتادة يُلاحق شابا حتى يصل إلى مكان الاختطاف ويحرر الفتيات المحتجزات.

الفيلم الذي زاوج بين الخيال والتخييل
الفيلم الذي زاوج بين الخيال والتخييل

حفل الفيلم بالتقاطات عاطفية مؤثرة تم صنعها بمهارة كبيرة، ومنها مثلا الحوار الإنساني العميق الذي يتم بين كرامب وبين الفتاة الشابة كيسي (الممثلة أنا تيلور جوي) التي تشعر بتعاطف شديد مع كرامب، وهي التي تمتلك بعض مفاتيح شخصيته ولا ترى فيه كائنا شريرا، بل إنسانا تعرض لظلم الآخرين.

وهنالك أيضا اكتشاف نقطة ضعف ديفيد وهي الماء، ولهذا يتم إغراقه من خلال مشهد شديد البراعة وسط هياج عاطفي مؤثر من ابنه، وهو يشاهد والده والشرطة تقوم بإغراقه بشكل متعمّد في ساحة المواجهة بين كرامب وديفيد.

وأما على صعيد المكان، فقد تمت هندسته بشكل متقن ولافت، وخاصة من خلال جلسات الحوار والاستجواب بين الطبيبة- المحققة إيلي، وبين كل من كرامب وديفيد في القاعة الممتدة بلونها الوردي، حيث عمقت تقاطعات الضوء واللون في الخلفية الأجواء الدرامية وأججتها، فضلا عن الاختيار الناجح لمشهد المواجهة بين الثلاثي غلاس وكرامب وديفيد الذي اختتم به الفيلم الذي زاوج بين الخيال والتخييل.

16