غلاف الكتاب ستارة أنيقة تحجب أكثر مما تظهر

على مرّ التاريخ ساهمت الكتب في نقل المعارف وخلق جسور ثقافية حضارية بين الشعوب، حيث كانت المساهم الأول في بناء أهم الحضارات البشرية المتعاقبة. لكن الكتاب علاوة على متنه أو مضمونه المعرفي أو الفكري أو الأدبي، بات صناعة لا تتوقف عند الأوراق التي تحتضن النص فحسب، بل شمل أيضا الغلاف، الذي تطوّر من التجليد إلى الورق إلى التزويق الجمالي ترغيبا في القراءة، فصناعة الكتاب سلسلة متكاملة، حتى أن الكثير من الكتّاب صاروا مؤخرا مهووسين بأغلفة كتبهم، حيث يصرون على اختيارها بعناية فائقة، حتى أن بعضهم يقترح على القراء الاختيار معه، فأضحى الغلاف الجسر الأبرز بين الكاتب ونصه وقرائه. وفي هذا التحقيق سنناقش مع مصممي أغلفة وكتّاب عرب القراءة البصرية للغلاف ومدى أهميته.
السبت 2017/11/18
حديقة الألوان لجذب القراء

في استطلاعنا حول أهمية الغلاف في صناعة الكتب اليوم، ننطلق من سؤال جوهري هو هل أصبح تصميم أغلفة الكتب يتطلب تناسبه مع المحتوى، ولو افترضنا وجود هذا التناسب فهنا مسؤولية كبيرة تقع على المصمم ألا وهي قراءة محتوى الكتاب. وطالما أن الغلاف يوصف بأنه عتبة نصية للكتاب، فلم تعد العملية النقدية تناقش المحتوى فقط بل تتجاوزه إلى الغلاف الذي تطور من لوحة تشكيلية إلى كولاج. ما يحيلنا إلى أن نتساءل أيضا هل أصبح الغلاف حكاية؟ وهل يهتم الكاتب اليوم بتصميم الغلاف؟ وهل يكره أحيانا كتابه بسبب الغلاف؟ هل فكر يوما في أن يعيد طباعة كتابه من أجل إعادة التصميم؟

عتبة نصية

تقول مصممة أغلفة الكتب الفلسطينية روان الشريف إنها تعشق عملها جداً، وتضيف “حينما أنتهي من غلاف كتاب أشعر وكأن طفلا من أطفالي انطلق للنور. يعتبر الغلاف بوابة لمحتوى الكتاب، وهناك قراء يجذبهم الغلاف لاقتناء الكتاب. تعاملت مع كُتاب مختلفين من دول عديدة، آراؤهم وأذواقهم مختلفة ومع ذلك أواجه صعوبات جلية خصوصا مع الكُتاب الذين لهم العديد من الأعمال ولديهم قراء كثر. أغلب الكُتاب وليس جميعهم، يصبح لديهم الغلاف كالهوس، وكأن قيمة العمل تتجلى بالغلاف، يرسلون تعديلات كثيرة وتفاصيل كثيرة وأحيانا نعود إلى نقطة الصفر بعد عمل أيام على التعديلات، وفي النهاية يختارون الغلاف الأول من دون تعديلاتهم. وهناك كتاب رائعون في تعاملهم يتركون لي حرية التصميم والاختيار. وأنا قبل تصميم أي غلاف أقرأ كل محتوى الكتاب”.

روان الشريف: حينما أنتهي من غلاف كتاب أشعر وكأن طفلا من أطفالي انطلق للنور

ويشير الشاعر السوري فايز العباس إلى أن تجربته الأولى الواعية لهذا الموضوع في السنة الرابعة من دراسته الجامعية. وقتها كان يعدّ حلقة بحث حول كتاب في نقد الشعر، وكان أن انتقد لوحة الغلاف لعدم اتساقها مع المضمون، ولمغايرته كليا، هذه التجربة جعلته يبحث في موضوع “العتبة النصية” كمادة للاطلاع والتثبت من صحة انتقاده.

ويتابع “بالنسبة إلى مجموعتي الوحيدة الصادرة عن دار الشارقة 2011، لم أتمكن من اختيار لوحة الغلاف لأن الدار/ الجائزة لها سياستها المتبعة في كل إصداراتها، ولو كان لي الخيار لكنت بكل تأكيد غيرت اللوحة، مع أنها جيدة مقارنة بسواها، وفي المجموعة القادمة بالطبع سيكون للوحة الغلاف الكثير من التأني في الاختيار”.

ويرى العباس أن الغلاف عموما دون شك، ولوحته جزء أصيل منه، هو المدخل إلى عوالم المضمون/ النص، ولا شك أن لوحة الغلاف تعتبر إحدى العتبات النصية التي يفترض أن يوجه من خلالها الكاتب رسالة أولية، وربما هذا هو التعريف البسيط للعتبة النصية، كما يقول الشاعر، إذ يقرّ أن لحظة وقوع عين المتلقي على النص/ الكتاب هي أول أشكال التواصل، وعليها تتوقف إلى حد ما ردة الفعل الأولية من قِبل المُستقْبِل تجاه النص المطروح من المُرسِل، من هنا يقول إن لوحة الغلاف كإحدى العتبات النصية لا تقل عن النص أهميةً، بل هي جزء منه، لذا على الكاتب أن يجيدها.

تبادل فني

فايز العباس: الغلاف ولوحته جزء أصيل منه، هو المدخل إلى عوالم المضمون/ النص

يمثل الغلاف بالنسبة إلى القاص المصري ممدوح رزق بصيرة افتراضية للخطو عبر فضاءات الكتابة، أو إلهاما مقترحًا لحفر مسارات الجدل والتناغم داخل النصوص. ويضيف رزق “أظن أن مرور الكاتب بتجربة مؤسفة أو أكثر مع أغلفة كتبه يعتبر أمرًا طبيعيًا. أن تفرض أحيانًا سلطة النشر غلافا لا يعدو بالنسبة إلى صاحب العمل الأدبي أكثر من مأساة ملونة سيتحتم عليه تحمل العبء الأكبر من انتشارها. لكن بعيدًا عن الكيفية التي يمكن بواسطتها اعتبار هذه التجارب -من منظور آخر- جانبًا جوهريًا من فلسفة ذاتية للكاتب، أو طبيعة مهيمنة لمزاج جمالي يخصه؛ فإن لحظات التوافق بين الكاتب وغلاف كتابه أشبه بغنيمة لا يمكن فقدانها”.

ويؤكد رزق أن هذا الاتساق ربما يكون بديهيا حينما يمتلك الكاتب الحق في اختيار غلافه، ولكنه سيكون أكثر سحرًا حينما يكون هذا الاتساق ناجما عن علاقة العمل الأدبي بخيال المصمم. وهذا ما يدفعه إلى الإشارة إلى الكتب التي لم يختر أغلفتها بنفسه، وإنما أنجزها فنانون أجادوا تشكيل أبواب الجسور، أو ظلال الملامح التي تجدر ملامستها، وإعادة تكوينها.

ويتابع القاص “سأتحدث عن أغلفة أعمالي، غلاف ديوان ‘بعد صراع طويل مع المرض‘ لهاني مصطفى، وغلاف رواية ‘الفشل في النوم مع السيدة نون‘ لعبدالعزيز السماحي، وغلاف المجموعة القصصية ‘هفوات صغيرة لمغيّر العالم‘ لتامر فتحي. حيث يتحوّل الغلاف في مثل هذه الحالات من مجرد وظيفة، تمارس أحيانًا بطريقة سيئة، إلى ضرورة مماثلة لعنوان الكتاب، وللنص ذاته. فيتحوّل العمل الأدبي، وهنا تتجلى الأهمية الجمالية للغلاف، إلى ضوء مسلّط على اللوحة أو الفوتوغرافيا. ينشأ هذا التوازان، أو يكشف هذا التبادل عن تحققه عندما يصبح النص هو الآخر محرّضا على التنقيب في الغلاف كعمل فني له استقلاليته. بالنسبة إلى الكتب التي اخترت أغلفتها بنفسي، كان للوحات سلفادور دالي نصيب كبير منها، إذ يبدو الأمر كرهان على تواطؤ بين خبرتين، لديهما أسباب مقنعة للقيام بذلك. هذا التحريض المشترك لبناء الاحتمالات وهدمها يتم وفقا لانسجام معين أو صراع ممكن بين هواجس لا تتوقف عن خلق أرواحها عبر الزمن”.

ممدوح رزق: لحظات التوافق بين الكاتب وغلاف كتابه أشبه بغنيمة لا يمكن فقدانها

يشير دكتور التنمية والعلاقات الدولية العراقي أكرم هواس إلى أن غلاف أي كتاب هو هويته التي تخلق لدى القارئ فكرة أولية عن رسالة الكتاب وربما أهدافه وما يتوخاه الكاتب. ولهذا فإن شكل الغلاف وعنوان الكتاب هما من الرموز والإيحاءات البصرية والتعبيرية عن ماهية المفاهيم والأفكار المطروحة فيه. وعليه فإن هذه الأشكال والتعبيرات برمزيتها ورسالتها المفاهيمية هي التي تدخل القارئ في عالم الحيرة وتتحدى قدرته وتخلق الفضول لديه والدافع لسبر أغواره ومعرفة ما يقدمه من رؤى وإجابات لتلك الحيرة الأبدية.

ويتابع هواس “غلاف الكتاب يمثل إعلانا تجاريا ويقدم مشروعا فكريا اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ثقافيا. ولذلك يجب أن يعتمد هندسة صناعية ويستخدم رموزا فلكية وعمقا فضائيا وواقعا ملموسا يدعو القارئ إلى الدخول في رحلة التعرف إلى الأشياء والغوص في عوالم الفضاءات المعرفية”.

ويشدد هواس على أن كل عناصر هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والرموز والأهداف تدعو المؤلف إلى إعادة صياغة مشاريعه المستقبلية لإصدار كتاب جديد وقد يظهر غلاف أحد الكتب وكأنه قد خذل كاتبه. وشخصيا يعتقد هواس أن مشروع غلاف كتاب كأي مشروع آخر يمثل تقاطعا زمنيا مع متغيرات كثيرة ومنها اعتبارات السوق والترويج وكذلك التوافق الفكري بين الكاتب والناشر في لحظة بناء وتصميم الغلاف شكلا وألوانا وعنوانا. لذلك فلا شيء يندم عليه بل يمكن تطوير الأفكار في إصدارات قادمة.

ستارة أنيقة

نسرين أكرم خوري: لا أنظر إلى الغلاف كعتبة للنص بل كستارة أنيقة تشف ولا تشف

تبدأ الشاعرة والكاتبة السورية نسرين أكرم خوري حديثها باقتباس للروائي أورهان باموق “إذا استطاع روائي أن ينهي كتابًا دون أن يحلم بغلافه، فهو حكيم، والعمل مصقول جيدا، وناضج مكتمل التكوين. لكنّه أيضًا قد يفقد البراءة التي تجعل منه روائيًّا في المقام الأول”. وتقول “بما أنني لم أنضج بعد، أستطيع أن أعترف بأنّ غلاف الكتاب بالنسبة إليّ ليس أمرا شديد الأهمية فحسب، بل أحلم به بشدّة، واضعة داخل رأسي اسكتشات عديدة له، رغم أنني مدركة بأنّ تلك هي مهمّة شخص آخر، سيصير معنيًّا بهذا الغلاف الذي أحلم به”.

وتتابع خوري “لا أنظر إلى الغلاف كعتبة للنص بل كستارة أنيقة تشف ولا تشف، تحجب أكثر مما تظهر بكثير، تجعلك راغبًا في أن تحدّق فيها مليا، وراغبًا أكثر في اكتشاف العالم المختفي خلفها. أفكّر في ذلك القارئ الذي لا يعرفني، أتخيّله وهو يسحب الكتاب من رفّ المكتبة، يقلّبه بين يديه، يتأمّل اللوحة، الألوان، توزيع الكلمات، شكل الخط، ويقرأ النص الخلفيّ. كلّ ذلك يرسم للكتاب طريقين: حقيبة القارئ أوالعودة إلى رفّ المكتبة. مع أنّ الأمر في حقيقته تسويقي بشكل ما وليس حميميا إلى هذا الحدّ، إلا أنني أعتبر ذلك القارئ -الذي لا أعرفه ولا يعرفني- صار خلال ذلك الوقت القصير معنيا بغلاف الكتاب، مثلي، ومثل المصمم، الفرق فقط أنني والمصمم خرجنا من النص إلى الغلاف، أما هو فقد سلك الطريق المعاكس”.

وتتابع “صدر لي كتابان وفي التجربتين لم أندم على الغلاف، بل على العكس، أنا أكثر من راضية، في المرتين جاء الغلاف بمثابة انطباع بصري بديع لحلمي به. الفضل والامتنان طبعا للفنانين المبدعَين أمل زياد كعوش في مجموعة ‘بجرة حرب واحدة‘، وخالد سليمان الناصري في رواية ‘وادي قنديل‘”.

14