غلاكسي نوت 7 هاتف محمول أم قنبلة

السبت 2016/10/22
جهاز ذكي يعتبر القانون الأميركي حيازته في الطائرات جريمة

إسطنبول - لو قام الآن أيّ من مستخدمي جهاز الهاتف الذكي غلاكسي نوت 7 الذي صدم العالم بتحوله إلى جهاز خطير بسبب انفجار بطاريته، بالعودة إلى مراجعة النشرات التسويقية التي كانت تتحدث عن مواصفاته المبهرة، والتي جعلته هو وغيره يذهبون سريعاً إلى اقتنائه منذ بداية شهر أغسطس الماضي، فهل سيعاود الكرّة؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي حتماً العودة إلى دراسات تحليل مزاج المستهلكين. ولكن المسافة الزمنية بين بداية تسويق الشركة لجهازها ذي المواصفات التقنية عالية المستوى، وبين قرارها بإيقاف العملية وسحب المنتج من الأسواق بشكل نهائي، كانت امتحاناً كبيراً ليس فقط لسامسونغ وحدها، بل للملايين من المستهلكين الذين هرعوا سريعاً إلى الحصول عليه رغبة منهم في التماشي مع أبرع إنجازات عالم الهواتف المحمولة الذكية. حيث تعيش أسواق هذه المنتجات حالة تنافسية غير مسبوقة، يصبح فيها المستهلكون مثل مشجعي أندية فرق كرة القدم الأشهر عالمياً.

لقد كانت خيبة كبرى لهؤلاء الذين يدفعون ثمن تشجيعهم مالاً كثيراً، أن يشعر كل من نال جهازه الخاص من هذه الماركة بأنه يحمل في جيبه قنبلة موقوتة، وزادت من قسوة هذا الشعور سلسلة الإجراءات العالمية التي حاولت تقليل إمكانية تضرر الآخرين من الأخطار التي يحملها.

فضيحة

كان من المفترض أن تحوز سامسونغ موقعاً متقدماً على أقرانها عبر طرحها لهذا المنتج، ولكن رياح التسويق العالية، قلبت المركب على أصحابه، وباتوا في مشكلة كبيرة، يراهن الكثيرون على أنها ستكون مفصلية في تاريخ الشركة العملاقة.

فمنذ أن قام أرييل غونزاليس بنشر مقطع الفيديو الذي يصور جهاز غلاكسي نوت 7 محترقاً على موقع يوتيوب في نهاية شهر أغسطس الماضي، صار العالم على موعد مع قضية هذا الهاتف الذكي، فالفيديو الذي تجاوز عدد مشاهديه حتى اللحظة المليون ومئتي ألف مشاهد، بات هو الشرارة التي أشعلت القضية.

ولكن سرعة تفاقم الأمر مع ظهور حالات أخرى حول العالم، وضعت شركة سامسونغ أمام منعطف خطير، تسبّب حتى اللحظة بفقدانها للكثير من الأموال كخسائر تسويقية، ولكن الخسارة الأكبر التي يجمع المراقبون على أنها أكبر من كل ما سجل من خسائر حتى اللحظة إنما هي تضرر سمعة العلامة التجارية، حيث أظهرت استطلاعات للرأي أن جزءاً كبيراً من المستخدمين قرروا عدم العودة إلى اقتناء أيّ جهاز هاتف من هذه الماركة.

أين الخلل

فشلت خطة الشركة في استبدال البطاريات في كل الأجهزة المباعة، وتكررت حوادث انفجار الأجهزة، فأمست ظاهرة عالمية خطرة، تستدعي أن تقوم المؤسسات الدولية المعنية بالحفاظ على السلامة باتخاذ إجراءات تكفل إبعاد الخطر الذي بات يشكله جهاز غلاكسي نوت 7. وضمن هذا السياق برزت تعليمات الاتحاد الدولي للنقل الجوي وكذلك إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية، والتي وجّهت إلى شركات الطيران بضرورة منع اصطحاب المسافرين على متن الرحلات الجوية لهذا الجهاز نظراً إلى الخطر الذي يمثله على أمنها. خاصة بعد أن نقلت الأنباء حدوث انبعاث للدخان من بعض هذه الأجهزة التي وضعها المسافرون بين أمتعتهم. إذ اعتبر القانون الأميركي الشروع في ركوب أيّ طائرة مع حمل الهاتف جريمة، حيث يتعرض من يحمل الهاتف معه أو في أمتعته إلى عقوبة دفع غرامة تصل إلى 179 دولارا، ويمكن أن يتعرض الشخص إلى محاكمة وسجن لمدة 10 سنوات.

أرييل غونزاليس ينشر مقطع فيديو يصور جهاز غلاكسي نوت 7 محترقا على موقع يوتيوب فيفتح العالم قضية هذا الهاتف الذكي، الفيديو الذي تجاوز عدد مشاهديه حتى اللحظة المليون ومئتي ألف مشاهد، كان هو الشرارة التي قدحت وأشعلت معها سامسونغ

المواصفات المغرية لجهاز غلاكسي نوت 7 تضمنت مجموعة من النقاط التي رأى الخبراء أنها ستشكل عناصر منافسة للأجهزة المنافسة من قبل شركات كأبل وغوغل وغيرهما فهو مزود بشاشة 5.7 بوصات، ويعمل بنظام أندرويد 6.0.1، ومقاوم للماء، كما أنه مزود بنظام “يو. أس. بي”، إلى جانب منظومة تقنية تجعل العمل عليه أسرع بكثير من نظرائه. ولكن مقتل الجهاز جاء بحسب التحليلات الأولى من بطاريته التي نسب إليها الخلل، الذي جعله جهازاً خطيراً.

شركة سامسونغ وبعد تكرار حالات احتراق الجهاز (40 حالة حول العالم) اعترفت بالمشكلة، وحاولت إصلاح الأمر عبر إطلاق عملية كبيرة هدفت إلى استبدال بطاريات الأجهزة المباعة (2.5 مليون جهاز) ببطاريات أكثر أماناً، وقد جرت الأمور بشكل جيد في البداية، ولكن حوادث ارتفاع حرارة الأجهزة تكرّرت حتى مع النسخ التي تم استبدالها، ما أدى في النتيجة إلى اتخاذ القرار النهائي بوقف إنتاج الجهاز، ووقف بيعه، والطلب من المستهلكين الذين اشتروه بإعادته فوراً إلى المتاجر كي يستعيدوا نقودهم.

سبب احتراق الأجهزة مازال غامضاً، فالجهاز لم تظهر عليه أيّ مشكلة أثناء المرحلة التجريبية في مختبرات سامسونغ، الخاصة التي تقوم بفحص أجهزتها فيها على عكس الشركات الأخرى التي ترسل بمنتوجاتها إلى مختبر خاص برابطة صناع الهاتف الخلوي.

ورغم ما فعلته سامسونغ من أجل احتواء القضية، ظل المتابعون يترصدون خطواتها التي بدت لأغلبهم مبهمة التوجه، وغير مقنعة، فحين وقعت حوادث الاحتراق، وتوالى نشر وسائل الإعلام التفاصيل عنها، والتي هددت سمعة الجهاز والحملة التسويقية الخاصة به، كان الاحتمال الأكبر في تفسير ما جرى يذهب نحو اتهام بطاريته التي تمّ تصنيعها من قبل أحد موردي الشركة، ولكن عملية الاستبدال لم تنفع ولم توقف حوادث الاحتراق، وبحسب ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز فإن مهندسي الشركة وقعوا في حيرة من أمرهم خاصة وأن عملية الكشف على العناصر الأخرى في الجهاز لم تفض إلى تحديد سبب المشكلة وبحسب هؤلاء فإن البطارية لم تعد هي المتهم الأساسي، إذ لم يثبت في المختبرات ذلك، وعليه فإن عملية التحقيق المطلوبة لتحديد الأسباب تحتاج إلى إزالة عوائق بيروقراطية بين إدارات الشركة العملاقة، ولكن قرارها بوقف إنتاج الجهاز جعل استكمال المسألة غير ذات أهمية بالنسبة إلى الرأي العام.

راديو كي بي أس الكوري الجنوبي يعلن على موقعه الإلكتروني، أنه من المتوقع قيام عدد من مستخدمي هواتف غلاكسي نوت 7 برفع دعوى قضائية جماعية على شركة سامسونغ مطالبين بتقديم 300 ألف وون لكل فرد

خسائر بالجملة

شركة سامسونغ قامت في الأيام الأخيرة باتخاذ إجراءات هدفت وبشكل أساسي إلى خلق حالة من الراحة النفسية لدى المستهلكين الذين راعهم ما يحصل، فبعد قيامها باسترداد الأجهزة من زبائنها، أعلنت عن قيامها بنصب أكشاك في المطارات الرئيسية بهدف استبدال أجهزة المسافرين قبل وصولهم إلى منطقة الفحص الأمني. وبحسب الخبراء فإن الشركة تذهب حالياً نحو سياسة التقليل من الأخطار التي تهدد علامتها التجارية، من خلال خلق شبكة إجراءات تشعر زبونها بأنه آمن في علاقته معها. وذلك لتعويضه عن الضرر الذي لحق به بسبب كارثة غلاكسي نوت 7، ولكن هل ستنجح سامسونغ في سياستها هذه؟

في البداية لا بد من التوقف عند حجم الخسائر الفعلية التي لحقت بالشركة جراء فشل منتجها هذا، إذ تقول آخر تحديثات الأخبار عن القضية أن سامسونغ رفعت من احتمال خسائرها في الربع الأخير من هذا العام ليصل إلى ما يزيد عن الخمسة مليارات دولار، كما خسرت الشركة 18.8 مليار دولار من القيمة السوقية يوم الثلاثاء الماضي مع إغلاق أسهمها منخفضة ثمانية بالمئة في أكبر انخفاض منذ عام 2008.

وبالقياس إلى حجم نشاط الشركة، فإن مجمل الخسائر التي تعرضت لها، ورغم فداحتها، تبقى غير خطيرة وبما يهدد وجودها، فسامسونغ تنتج العشرات من المنتجات خارج إطار الهواتف المحمولة، وقد كانت القيمة السوقية للشركة بحدود شهر مايو الماضي تقدر بنحو 161.6 مليار دولار، حسب دراسة نشرتها مجلة فوربس، أشارت فيها إلى أن الشركة توظف عدداً هائلاً من الموظفين يصل إلى نحو 236 ألفا، وأن مبيعاتها السنوية بلغت 177.29 مليار دولار، وقد بلغت أرباحها للعام 2015 قرابة الـ16.5 مليار دولار.

كما أن تحضيراتها لإطلاق هاتفها الجديد غلاكسي إس 8 بدأت تتسارع مع إعلان الوسائل الإعلامية عن مواصفاته التي تحاول أن ترمّم ما فقده المستخدمون حينما اضطروا للتخلّي عن الأجهزة التي تم سحبها من الأسواق، مع وجود نية للتخلي عن العلامة التجارية “نوت”، بالإضافة إلى قيامها بإرسال رسائل تحذيرية موجهة إلى موظفي الشركة تطلب منهم عدم تسريب أيّ تفاصيل عن مواصفات الجهاز الجديد إلى الوسائل الإعلامية.

هواتف متفجرة ومستهلك مهووس

راديو “كي بي أس” الكوري الجنوبي أعلن على موقعه الإلكتروني، أنه من المتوقع قيام عدد من مستخدمي هواتف غلاكسي نوت 7 برفع دعوى قضائية جماعية على شركة سامسونغ مطالبين بتقديم 300 ألف وون لكل فرد كتعويض عن الخسائر الناجمة عن استدعاء الهواتف ووقف بيعها.

شركة سامسونغ وبعد تكرار حالات احتراق الجهاز (40 حالة حول العالم) اعترفت بالمشكلة، وحاولت إصلاح الأمر عبر إطلاق عملية كبيرة هدفت إلى استبدال بطاريات الأجهزة المباعة (2.5 مليون جهاز) ببطاريات أكثر أمانا

وقال مكتب المحاماة الكوري المعروف باسم “ضوء الشمس الخريفي” بحسب الراديو إن عدد مستخدمي هواتف غلاكسي نوت 7 الذين سيقيمون الدعوى القضائية بلغ 57 شخصا حتى صباح يوم الأربعاء الماضي حيث سيقوم المكتب بإقامة الدعوى القضائية نيابة عنهم في محكمة سيول المركزية يوم الرابع والعشرين من الشهر الجاري.

وقال هؤلاء المستخدمون المشاركون في الدعوى القضائية إنهم زاروا المحلات أربع مرات لشراء الأجهزة وفحص البطاريات واستبدال الأجهزة بأجهزة جديدة واستبدال الأجهزة بأجهزة من موديل آخر الأمر الذي تسبب لهم في خسائر في الوقت ومضايقات نفسية. وعلى صعيد آخر، رفع ثلاثة من مستخدمي هواتف غلاكسي نوت 7 الأميركيين دعوى قضائية مماثلة يوم الأحد الماضي ضد شركة سامسونغ.

تركيز الإعلام على قضية جهاز غلاكسي نوت 7 لم يمنع مراقبين كثرا من الحديث عن أن هذه الحوادث تكررت في الماضي، كما أن شهر سبتمبر 2016 شهد وقوع مثل هذا الأمر مع جهاز أيفون 7 الذي أنتجته شركة أبل، التي تعتبر منافساً أساسياً في السوق، ولكن كل هذا لم يمنع المتسوقين من الوقوف لساعات طويلة أمام متاجر البيع رغبة منهم في حجز نسختهم من هذا الجهاز أو غيره، ما يؤشر في الواقع إلى أن هوس الشراء بات ممتنعاً عن التأثر بانتكاسات السلع عالية الثمن، أو الحوادث التي تطرأ عليها.

ويؤكد الخبراء من خلال قصة جهاز غلاكسي نوت 7، أن الهزة التي تعرضت لها سامسونغ يمكن تجاوزها، رغم إعلان عدد من الزبائن مغادرتهم لقاربها، فإذا ما أثبت الجهاز العتيد الذي ستطرحه في السوق بداية العام 2017 قدرته على المنافسة فإن صفحة الانتكاسة ستطوى، وستعود الأمور إلى مجاريها. يستند هؤلاء في تحليلهم إلى حقيقة وجود الزبون المهووس، الذي يسارع إلى تلقي المنتوجات الجديدة وكأنها جزء من تكوينه الحياتي اليومي، ما يفتح المجال فعلاً للسؤال عمّا تفعله أقسام التسويق في الشركات الكبرى، من جهة التأثير على عقل المستهلك، وشغل نفسيته، عبر توجيه وعيه نحو السلعة، دون الالتفات إلى مقدار حاجته إليها فعلياً.

14