غلطة الشاطر

السبت 2015/01/03

يحشر البروتوكول أنفه في أدق تفاصيل دورة حياة السياسي تعيس الحظ، وقد نجده حجر عثرة في زوايا طريقه المعبد دوماً بالهنّات والعثرات والخصوم العنيدين، في الزيارات الرسمية وحفلات الاستقبال شبه الرسمية، في إلقاء الخطب أرضاً وجواً وإعلان الحروب الطاحنة والمعارك الخاسرة، في فطور الصباح وفي اجتماعات تقسيم أنصاف الحلول، في مواعيد النوم وطرق التفكير، في اختيار طرق السير أو القفز غير الآمن على الأسلاك الشائكة وانتقاء الألوان المتناغمة مع انكسارات الشعوب. البروتوكول الذي يتدخل أيضاً في طريقة إدارة الأحلام السياسية، دقيق ومنضبط ومتوازن من دون أن ينسى ارتداء كامل قيافته، وهو في طريقه للسهر على هيبة الهيئة السياسية والوطنية.

يخطئ السياسي بصورة عفوية بحكم انتمائه إلى فصيلة بني البشر، في حركاته وسكناته، سكوته وكلامه، رواحه ومجيئه، وغلطة السياسي الشاطر بألف قابل للتناسل إلى آلاف مؤلفة.

تمثل القمم العربية والخطب السياسية التي لا تغني من جوع، مصنعاً من الأخطاء لم يتوقف إنتاجه منذ عقود طويلة من الهزائم والانكسارات والهفوات المقصودة عن سابق تصور وتصميم، فطريقة جلوس بعض رؤساء الدول على مقاعد القمم وملامح النعاس والضجر التي تغطي وجوه أبطالها أثناء إلقاء الخطب الصديقة الغارقة في الأخطاء المادية والمعنوية والمصيرية، دروس مجانية في طريقة استفزاز الشعوب المهملة خلف شاشات التلفزيون.

وقد يتبادر إلى الذهن بأن الرؤوساء العرب وحدهم من يجيد ارتكاب مثل هذه الهفوات، لكن الرئيس الفرنسي هولاند – مثلاً- سبق له ارتكاب الكثير من الخطوات الفاشلة في تطبيق قواعد البروتوكول، التي غطت على أخبار مغامراته العاطفية، حيث ضبط في أكثر من مناسبة وهو يتلكأ في سيره في استعراضات حرس الشرف، ضيفاً أو مضيفاً. أما قصة مصافحاته الفاشلة لضيوفه رؤساء وزعماء الدول الزائرة، فكانت محط تندر وسائل الإعلام لفترات طويلة، حتى أن بعض الصحف البريطانية أوردت (ألبومات) صورا خاصة بمصافحات الرئيس الفاشلة، فعيون الكاميرات دائماً بالمرصاد لالتقاط هذه اللحظات وإضافتها بخجل إلى أرشيف التاريخ.

أما فضيحة الرئيس الأميركي أوباما في حفل تأبين مانديلا وطريقة محادثته لرئيسة وزراء الدنمارك التي أثارت السيدة أوباما، فقد وفرت مادة صحفية دسمة كانت كافية لتسويد صفحات طويلة عريضة من صحف عالمية كانت تعاني البطالة.

والرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، كان صاحب الرقم القياسي من دون منازع ابتداءً من خطبه المضحكة التي كان يلفظ فيها أسماء البلدان والقادة الأجانب بصورة خاطئة، مروراً بطريقة حمله الخاطئة لكتاب القراءة أثناء زيارته لمدرسة ابتدائية، وحكاية المنظار الذي نسي أن يزيل غطاءه في إحدى طلعاته القتالية الفاشلة.

هفوات الرؤساء البروتوكولية الأخيرة شغلت الناس وقضّت مضاجعهم، حتى أنستهم الأرض المستباحة والنساء السبايا والأطفال الجياع في مخيمات الشتاء، كما أرّقتهم قيافة الرئيس القاصرة وسترته المطوية على عجل وخطواته المرتبكة في استعراض حرس الشرف في زياراته الرسمية، وانتبذ المحللون (البروتوكوليون) جانب القلق وعبروا عن انزعاجهم جراء الهفوات والحركات واللفتات غير المدروسة، كما سقط المتصيدون في الماء العكر في فخ المقارنة بين الحاضر والماضي، فتباكوا على الماضي الذي كان يحافظ على هيبته وقيافته وقامته المترامية الأكتاف، حتى وهو في طريقه إلى حفر المقابر الجماعية التي زرعها في صحارى الوطن في عز الظهيرة، فترك معوله مغروسا في أرضها السمراء ومضى.

21