غلق المساجد في تونس بين إصرار الحكومة وتشدد حركة النهضة

الثلاثاء 2014/08/05
الإسلاميون المتشددون يتخذون من المساجد فضاء لنشاطاتهم الإرهابية

تونس- اتخذت الحكومة التونسية المؤقتة مجموعة من التدابير في اتجاه التضييق على ما أسمته “دوائر نشاط الإرهاب في تونس”، وذلك على خلفية الهجوم الأخير على دوريتي حراسة أودى بحياة 15 جنديا وجرح 20 آخرين في هجوم يعتبر الأعنف على الجيش التونسي إلى حد الآن.

وقد أشارت تقارير إعلامية إلى تصاعد وتيرة احتجاج أحزاب سياسية بعينها ضد قرار غلق المساجد الخارجة عن السيطرة من قبل الحكومة وحظر مجموعة من الجمعيات التي يشتبه في تمويلها ودعمها لنشاطات إرهابية في تونس. وفي مقابل تلك الاحتجاجات وجدت القرارات الحكومية الأخيرة دعما وإسنادا من قبل طيف واسع من الأحزاب السياسية التونسية.

فقد أكدت الحكومة على لسان مستشارها الإعلامي في أكثر من مناسبة أن الأجهزة الأمنية قد تمكنت في المدة الأخيرة من تحديد الأسباب التي تسهل رواج الأفكار والنشاطات الإرهابية في تونس من قبل إسلاميين متشددين، وهي أساسا تتمثل في المساجد التي تشهد انفلاتا في إدارتها والسيطرة على خطابها، والجمعيات التي تتلقى دعما أجنبيا وتمول أنشطة تهريب السلاح والإنفاق المالي على تحركات عناصر مشتبه بها، لكن حزب حركة النهضة الإسلامي واجه هذه القرارات والحجج التي اعتمدتها الحكومة بحركة احتجاجية تمثلت في توجيه الحبيب خضر المقرر العام للدستور رسالة إلى رئيس الحكومة مهدي جمعة يدعوه فيها إلى العدول عن قرار غلق المساجد المنفلتة لأن “هذا الإجراء يمس من الحريات العامة”.


إجراء غلق المساجد مؤقت لحماية الأمن

مفدي المسدي: إعلامي ورجل اتصال، تولى منصب المستشار الإعلامي لرئيس حكومة التكنوقراط التونسية المتشكلة بعد استقالة الترويكا.


أكدت رئاسة الحكومة على لسان مستشارها الإعلامي مفدي المسدي أن “قرار غلق المساجد الخارجة عن إشراف وزارة الشؤون الدينية والمساجد التي ثبت الاحتفاء بداخلها باستشهاد جنودنا البواسل لا يعد معاداة لممارسة الشعائر الدينية باعتبار أن الدولة راعية للدين وكافلة لحرية المعتقد والدين، حسب دستور البلاد”.

وأكد المستشار الإعلامي المسدي أنه بمجرد تحييد هذه المساجد وخضوعها لإشراف الدولة من جديد ستتم إعادة فتحها، كما عبرت في بلاغ لها عن انخراطها التام في رفع قيم الإسلام السمحة والوسطية والاعتدال.

وكانت الحكومة التونسية اتخذت في المدة الماضية قرارا يقضي بغلق جميع المساجد غير الخاضعة لسيطرتها تمهيدا لتحييدها عن التيارات الدينية المتشددة وأمرت بإحالة 16 عنصرا محسوبين على التيار السلفي كانوا احتفوا في المساجد والطرق العامة باستشهاد 15 جنديا في هجوم إرهابي بجبل الشعانبي. وأعلنت في بيانها عن القيام بالإجراءات العدلية اللازمة ضد الأشخاص الذين ثبت تورطهم في خطاب تحريضي وتكفيري.

وقد أكد مفدي المسدي، المستشار الإعلامي لرئاسة الحكومة، أنه تم اتخاذ عديد التدابير إثر العملية الإرهابية الأخيرة التي جدت بالشعانبي، حيث تم إيقاف نشاط حوالي 157 جمعية على علاقة بدعم و تمويل الإرهاب، منها 5 جمعيات لها علاقة مباشرة بتمويلات مشبوهة. كما أكد المستشار الإعلامي أن هذه الفترة تشهد تجميد نشاط جمعيات وإيقافات لعدد من المشتبه بهم بشكل متزامن، وهو ما كشفته تحقيقات أجهزة الأمن حول مصادر التمويل والتحركات التي يقوم بها أعضاء وقيادات تلك الجمعيات.

وقد أعلنت الحكومة التونسية المؤقتة على لسان مستشارها الإعلامي عن مراجعة تمويل تلك الجمعيات المشبوهة وتعليق نشاط كل من يثبت ارتباطه بالإرهاب ضمن حزمة جديدة من القرارات ردا على الهجوم الإرهابي الدموي بجبل الشعانبي.

ويؤكد المسدي في معرض تصريحاته أن مسألة غلق المساجد التي تعمل خارج سيطرة الدولة ليست سوى “إجراء مؤقت” إلى حين تعيين قائمين عليها تكون لهم صفة رسمية لدى الدولة ومعتمدين ولهم خطاب بعيد عن التحريض والإرهاب والتدخل في الشؤون السياسية عبر منابر تدعو إلى الله.

وعقدت خلية الأزمة، التي أطلقتها رئاسة الحكومة لمتابعة تطورات الوضع في الشعانبي إثر الهجوم الأخير واتخاذ القرارات اللازمة، اجتماعها بحضور وزراء الداخلية والدفاع والعدل والشؤون الدينية والوزير المعتمد لدى وزير الداخلية المكلف بالملفات الأمنية.

وقال المسدي إن الحكومة قد شكلت فريق عمل لمتابعة العمل الجمعياتي يتولى التدقيق في عمليات التمويل الداخلي والخارجي لتلك الجمعيات ومدى احتمال ارتباطها بالإرهاب، وقد أكد المستشار الإعلامي أن إجراء غلق بعض المساجد الخارجة عن السيطرة وعدد من الجمعيات هو إجراء متكامل في إطار “جهود الحكومة المؤقتة لتأمين ظرف مناسب للانتخابات التي تنتظرها تونس بعد أشهر قليلة”.

قرار غلق المساجد مؤقت إلى حدود النظر في إدارتها وإنهاء حالة الانفلات فيها وليس لقرار الحكومة أي مس بالحريات الدينية بل للمصلحة العامة وضبط الأمن

كما أقرت الخلية برئاسة رئيس الحكومة المؤقتة المهدي جمعة التعليق الفوري لنشاط الجمعيات التي ثبت أن لها علاقة بالإرهاب، واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بذلك. ويشتبه في وجود العشرات من الجمعيات الإسلامية والخيرية، ذات التمويل الأجنبي والمشبوه، والتي على علاقة بالإسلاميين الراديكاليين وبترويج الخطاب الديني المتشدد، وهذا ما أكده الإعلامي التابع لرئاسة الحكومة بأن “أطرافا أجنبية تقف وراء تمويل عدد من الجمعيات بتمويلات ضخمة، تمس من أمن البلاد والمواطنين وتوفر دفعا ماديا للإرهاب”.

وفي جانب آخر، أعلن مفدي المسدي أن حكومة جمعة قررت الشروع فورا في تهيئة الانتداب المبرمج لـ3250 عنصرا بالجيش الوطني والإذن بانتداب استثنائي لـ500 عنصر في سلك الحرس الوطني ضمن قانون المالية التكميلي الذي طرحته على أنظار المجلس التأسيسي بهدف تعزيز القدرة الميدانية للجيش والحرس الوطنيين.


لا يجب غلق المساجد، فالأصل هو الحرية

حبيب خضر: محامي وسياسي تونسي من حزب حركة النهضة الإسلامية التي انتمى إليها منذ كان طالبا بكلية الحقوق في التسعينات، وهو المقرر العام للدستور بالمجلس الوطني التأسيسي


وجه النائب بالمجلس التأسيسي والمقرر العام للدستور الحبيب خضر عبر صفحته الرسمية بالفايسبوك رسالة مفتوحة إلى رئاسة الحكومة المؤقتة بعد قرارها غلق المساجد الخارجة عن إشراف الدولة وقد أكد فيها خضر معارضته لهذا الإجراء الذي اعتبره “مخالفا لحرية ممارسة الشعائر الدينية التي نص عليها الدستور”.

وقد افتتح الحبيب خضر المقرر العام للدستور رسالته بتعزية عائلات شهداء الجيش الوطني ممن راحوا ضحية الهجوم المسلح من قبل إرهابيين يتمركزون في جبل الشعانبي غرب البلاد، مؤكدا استهجانه للعملية وتنديده بها.

وقد تضمنت رسالة القيادي الإسلامي حبيب خضر اعترافا ضمنيا بأن المساجد التي تم غلقها من قبل السلطات كانت تشهد انفلاتا كبيرا قائلا: “السيد رئيس الحكومة لقد قررتم يوم إغلاق بعض الجوامع الخارجة عن إشراف وزارة الشؤون الدينية إلى حين تعيين القائمين عليها من قبل سلطة الإشراف وكذلك المساجد التي شهدت احتفاء بالجريمة النكراء المرتكبة في حق جيشنا الوطني، فضلا عن إيقاف كل من احتفى بهذا المصاب الجلل وكل شخص عمد إلى ترويج خطاب تحريضي بوسائل الإعلام”، لكن خضر استدرك في رسالته معارضا قرار الغلق.

وقد كانت معارضة حبيب خضر لقرار الغلق مبنية على حجج رآها منطقية، من بينها أن قرار الغلق يتعارض مع الفصل السادس للدستور الذي يؤكد رعاية الدولة للدين، قائلا: “لقد قرر الدستور في فصله السادس أن الدولة راعية للدين كافلة لحرية ممارسة الشعائر الدينية. ومعلوم أن الصلاة في جماعة واجبة شرعا ومكان أدائها المساجد والجوامع”، وهي إشارة إلى الحكومة على أنها عارضت هذا الفصل بغلقها المساجد خارج السيطرة وكذلك لمح خذر إلى أن القرار مخالف للشريعة الإسلامية كما يراها.

وأشار المقرر العام للدستور الذي ينتمي إلى كتلة حركة النهضة الإسلامية داخل المجلس الوطني التأسيسي، إلى أن قرار السلطة التنفيذية قد تجاوز جوهر الفصل الـ49 من الدستور الذي يتصل بالحقوق والحريات. وقد برر هذا التجاوز قائلا إن “الحيلولة دون الصلاة في المسجد مساس بجوهر تلك الحريات”. في حين أن قرار الحكومة كان مقتصرا على بعض المساجد التي تشهد انفلاتا وغيابا للسيطرة الرسمية عليها.

وفي معرض رسالته لرئاسة الحكومة، قال حبيب خضر إنه إذا أرادت السلطات أن تنزل عقوبة ما “فالعقوبة شخصية” على حد قوله، مشيرا إلى أن المصلين “تضرروا” من غلق تلك المساجد المنفلتة، ملمحا إلى “عدم وجود دعوات للتحريض في تلك المساجد ولم تخرج عن الخطاب الديني العادي”.

وقد استدعى جملة من القواعد القانونية في رسالته محتجا على غلق المساجد بعد أن تم إيقاف بعض الأشخاص الذين ثبت احتفالهم بقتل الجنود التونسيين والذين سبق وأن حرضوا ضد الأمن والجيش، وذلك بالقول إنه “من المبادئ المستقرة في القانون أنه لا يمكن أن يسلط العقاب أكثر من مرة على نفس الفعل، فإذا قررتم الإيقاف للأشخاص المتجاوزين فلماذا يغلق المسجد بعد إيقافهم”.

الحيلولة دون الصلاة في تلك المساجد مس من جوهر الحريات العامة وهذا تجاوز للدستور في فصله الـ49، وهناك من تضرر بقرار الغلق هذا

وقد حمل حبيب خضر وزراة الشؤون الدينية والحكومة عموما مسؤولية اللجوء إلى إغلاق المساجد والإخفاق في فرض السيطرة عليها، قائلا إنه “لا يعقل أن يدفع المصلي ضريبة تأخر الوزارة في توفير إطار ديني للمسجد”.

وختم الحبيب خضر رسالته مخاطبا رئيس الحكومة مهدي جمعة داعيا إياه “الرجوع عن قرار غلق المساجد لأنه لن يكون إلا وقودا مؤججا لحواضن الإرهاب، في حين يكون من الأسلم تطبيق القانون دون تمييز”، مذكرا رئيس الحكومة بالفصل الـ21 من الدستور الذي ينص على أن “المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات” وأنه يجب أن تطبق قرارات الغلق خاصة على من هم خارج القانون، لا على فضاءات يقوم المصلون فيها بالتعبد.


قرارات حكومة مهدي جمعة تثير مخاوف من عودة الرقابة

ناجي البغوري: نقابة الصحفيين ترفض أي خطوط حمراء تفرضها الحكومة على الصحفيين


أثار قرار للحكومة التونسية إغلاق وسائل إعلام ومساجد يسيطر عليها متطرفون، وإعلانها الجيش والأمن “خطيْن أحمرين” إثر مقتل جنود على يد إسلاميين متطرفين غرب البلاد، مخاوف من عودة الرقابة التي تخلصت منها بعد ثورة 2011.

ففي 16 يوليو قتل 15 عسكريا في هجوم نفذه مسلحون محسوبون على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، على نقطتي مراقبة تابعتين للجيش التونسي في جبل الشعانبي من ولاية القصرين (وسط غرب) على الحدود مع الجزائر. وكانت تلك أسوأ حادثة في تاريخ الجيش التونسي منذ استقلال البلاد سنة 1956.

وأعلنت الحكومة في بيان أصدرته خلال الأيام الماضية أن مهدي جمعة قرر “الغلق الفوري للمساجد الخارجة عن إشراف وزارة الشؤون الدينية إلى حين تعيين القائمين عليها من قبل سلطة الإشراف وتلك التي ثبت الاحتفاء فيها باستشهاد جنودنا البواسل”.

وقرر رئيس الحكومة كذلك “الغلق الفوري للإذاعات والتلفازات غير المرخص لها والتي تحولت منابرها الإعلامية إلى فضاءات للتكفير والدعوة إلى الجهاد”.

كما أصدر “التعليمات لوزير التعليم وتكنولوجيات الاتصال بالتكفل بالإجراءات اللازمة للتصدي لصفحات التواصل الاجتماعي (فيسبوك أساسا) المنادية بالتحريض على العنف والإرهاب والتكفير”.

وأعلنت الحكومة في بيانها “المؤسستين الأمنية والعسكرية خطين أحمرين” محذرة من أن “أي شخص أو مجموعة أو حزب أو مؤسسة تقدح في المؤسستين الأمنية والعسكرية أو تنال من هيبتهما يعرضون أنفسهم للتتبع القضائي العـدلي والعسكــري”.

وتهدف هذه الإجراءات، حسب السلطات، إلى استرجاع “هيبة” الدولة التي ضعفت منذ ثورة 2011 ومحاولة السيطرة على إذاعات وتلفزيونات عديدة تعمل دون تراخيص.

لكن بعض الأصوات ارتفعت محذرة من التراجع عن الحريات التي اكتسبها التونسيون بعد الثورة، وداعية إلى إيجاد توازن بين الحق في المعلومة ومكافحة الإرهاب.

أعلنت الحكومة حتى الآن إغلاق إذاعة “النور” وتلفزيون “الإنسان” (محسوبين على التيار السلفي) اللذين تقول وسائل إعلام إنهما يعملان دون ترخيص

وقالت رشيدة النيفر وهي عضوة في “الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري” لوكالة فرانس برس إن السياسيين في بلادها التي تمر بأوضاع صعبة قد يتخذون إجراءات متسرعة لطمأنة الرأي العام.

وأضافت “لكن مكافحة الإرهاب لا يجب أن تكون بالتعسف أو الشعبوية. إن كنا نريد دولة قانون فعلينا احترام القانون”.

وأعلنت الحكومة حتى الآن إغلاق إذاعة “النور” وتلفزيون “الإنسان” (محسوبين على التيار السلفي) اللذين تقول وسائل إعلام إنهما يعملان دون ترخيص.

وقالت في بيان إن قرار الغلق تم ومثلما يقتضيه القانون، بعد التشاور مع هيئة الاتصال السمعي البصري، وهو أمر نفته الهيئة التي أكدت في بيان أنها “لم تستشر في هذا القرار”.

وأعلن ناجي البغوري رئيس نقابة الصحفيين في تونس “رفض” النقابة “وضع أي خطوط حمراء” أمام الصحفيين في بلاده إثر إعلان الحكومة الجيش والأمن “خطين أحمرين”.

12