غليان الأسعار في مصر يؤدي لازدهار تجارة الملابس المستعملة

دفع الغلاء الذي ضرب معظم السلع الاستهلاكية الأساسية في مصر وخاصة الملابس إلى ازدهار تجارة الملابس المستعملة نظرا لأسعارها الرخيصة، وهو ما شكّل صداعا مزمنا لمصانع النسيج التي لا تزال تعاني من أزمة رغم الإصلاحات الحكومية.
الخميس 2017/12/28
الملاذ الآمن من لهيب الأسعار

القاهرة - تضجّ أسواق العتبة ووكالة البلح وميدان رمسيس في القاهرة بالمتسوقين في مثل هذه الفترة من كل عام والذين يأتون من أماكن مختلفة من البلاد علهم يعثرون على ضالتهم في أكوام الملابس المستعملة.

ولم تتخيّل فاطمة يوسف، وهي أم لأربعة أطفال، أن تشترى ملابس مستعملة لأطفالها قبل عام من الآن، وكانت تدّخر جزءا من ميزانية بيتها لشراء ملابس الشتاء من محلات وسط القاهرة.

وقالت لـ“العرب” إنه بعد تحرير سعر العملة تضاعفت أسعار الملابس، “ما دفعني للبحث عن أسواق بديلة لشراء ملابس فصل الشتاء لتدفئة أطفالي، والذي أصبح شديد البرودة”.

وقالت زينب محمد أترقب الأسواق الخيرية وتحديدا معارض جمعية “رسالة”، وهي جمعية أهلية تقبل التبرعات والهبات لصرفها على الفقراء، حيث تعرض الملابس المستعملة بأسعار رخيصة جدا، وفي بعض الأحيان توزعها مجانا. وأوضحت لـ“العرب” أنها لا تقوى على شراء الملابس الجديدة بسبب ضعف دخل الأسرة الذي يصل لنحو ألف جنيه شهريا (57 دولارا)، حيث يعمل زوجها بعقد مؤقت في شركة المياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن أسعار ملابس الأطفال في المعارض الخيرية تتراوح بين نصف دولار ودولار واحد، كما لا تتجاوز أسعار الأحذية المستعملة بهذه السوق نصف دولار.

محمد عبدالسلام: ارتفاع الدولار يمنع محاولات خفض الأسعار والمصانع تعمل بنحو نصف طاقتها

وسجّلت معدلات التضخم على أساس سنوي في أكتوبر الماضي نحو 31.8 بالمئة، وهي نسبة مرتفعة تؤكد انخفاض قيمة الجنيه دون أن تزداد الرواتب.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدل التغير في أسعار الملابس الجاهزة على أساس سنوي بنسبة 24.1 بالمئة.

وقال يحيى زنانيري، رئيس جمعية منتجي الملابس الجاهزة، إن “سوق الملابس المستعملة نوعان، الأول السوق الخاصة بالجمعيات الخيرية، وهي عبارة عن تبرعات ويستخدمها الفقراء”.

وأشار في تصريح لـ“العرب” إلى أن هذه النوعية تمثل نسبة ضئيلة جدا من السوق الإجمالية للملابس، ولا تتعدى 0.5 بالمئة.

أما النوع الثاني من سوق الملابس المستعملة والتي تنمو تدريجيا في مصر هي الملابس المستوردة المستعملة، وتعتبرها مصانع الملابس منافسة لها، وفق زنانيري.

ورصدت جولة لـ“العرب” في أهم سوق للملابس المستعملة في وكالة البلح بحي أبوالعلا الشهير والتي تقع خلف مبنى التلفزيون المصري، إقبالا غير مسبوق ونشاطا في السوق.

وأكد أحمد خضر، بائع ملابس مستعملة، أنه منذ بداية شهر ديسمبر الحالي تضاعفت حركة مبيعاته. وقال “كنت أبيع 10 قطعة في اليوم، والآن تضاعفت إلى نحو 20 قطعة ملابس وربما أكثر”.

وتختلف درجات الملابس المستعملة وتقسم إلى ثلاث درجات، ويصل سعر المعطف الصوف من الدرجة الأولى إلى نحو 25 دولارا، أما الدرجة الثانية فتصل إلى نحو 15 دولار، وتنخفض في الدرجة الثالثة إلى نحو 10 دولارات.

أما البنطال الجينز الدرجة الأولى فيصل سعره إلى نحو 10 دولارات وفي الدرجة الثانية لنحو 6 دولارات، والدرجة الثالثة يصل إلى حوالي 4 دولارات.

وقدرت جمعية منتجي الملابس الجاهزة حجم مبيعات هذه السوق سنويا بنحو مليار جنيه (نحو 56 مليون دولار)، وتصل نسبة هذه السوق مقارنة بسوق الملابس الرسمية إلى نحو 15 بالمئة.

يحيى زنانيري: البيانات تؤكد تسجيل نمو غير مسبوق في أسواق الملابس المستعملة مؤخرا

وأفادت تقارير غرفة صناعة الملابس الجاهزة بأن حجم مبيعات سوق الملابس الجاهزة الرسمية بمصر تصل إلى نحو 8 مليارات جنيه والتي تعادل نحو 450 مليون دولار. وتؤكد الغرفة أن هذه السوق في تزايد بسبب ارتفاع الطلب عليها، كما أن أسعار ملابسها شهدت ارتفاعات تراوحت بين 30 و50 بالمئة مقارنة بمستويات العام الماضي.

ويستورد كبار التجار الملابس المستعملة حاويات من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا، ويتم تصنيفها على درجات وإعادة تبخيرها ثم توزيعها على الشباب لبيعها في الشوارع ويطلق عليهم “باعة سريحة” أو “الجائلون”.

ومع انتشار هذه الظاهرة تم اختيار منطقة الترجمان بوسط القاهرة لتكون سوقا رسمية للملابس المستعملة، لكن هذا الحل لم يرض “الباعة السريحة” ويترقبون أوقات العطلات الرسمية وأيام الجمعة من كل أسبوع ويفترشون شارع 26 يوليو الشهير بوسط القاهرة.

ورصد مؤشر حركة المبيعات للغرفة تراجع متوسط حركة المبيعات بمحلات الملابس الجاهزة إلى 20 قطعة يوميا في العام الحالي مقارنة بنحو 40 قطعة خلال العام الماضي.

ودفع ذلك إلى إطلاق غرفة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات المصرية مبادرة لبيع الملابس بالتقسيط منذ شهر، بالتعاون مع البنوك لإنقاذ محلات ومصانع الملابس من الإفلاس بسبب حالة الركود التي تشهدها الأسواق، لكن لم يتم تفعيلها حتى الآن.

وقال محمد عبدالسلام رئيس الغرفة لـ“العرب” إن “مصانع الملابس الجاهزة تواجه صعوبات نتيجة ارتفاع أسعار الخامات بمعدل 100 بالمئة”، مؤكدا أن المصانع تعمل بنصف طاقتها ولا يمكن خفض الأسعار بسبب ارتفاع قيمة الدولار.

11