غليان في الشارع اللبناني

تحميل النزوح السوري مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان محاولة للتعمية على الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات والتي تكمن في طبيعة الاقتصاد الريعي الذي ينتهجه نظام ائتلاف القوى المسيطرة.
الثلاثاء 2018/08/14
لمن يتغافل عما يدور اليوم في الشارع ففي الغد سيفاجئه هذا الشارع

كنت أسير في سوق مدينة زحلة البقاعية الوديعة، في فترة قبل الظهر، حيث أعداد المشّائين قليلة، لفت سمعي شاب يقول “ظل اضحك.. مليح الضحك.. شو عليه..”. التفتُّ نحوه، ظننته يتحدث في الهاتف، وسرعان ما اكتشفت أنه يحدث نفسه بصوت عال! فلا هاتف محمولا في يديه ولا سماعات في أذنيه. تابعت سيري فيما استمر ذاك الشاب يتحدث إلى نفسه بصوت عال إلى أن تجاوزني…

ظاهرة أن يتحدث الشباب إلى أنفسهم بصوت عال صارت مألوفة في لبنان. فالشباب في لبنان يتعرضون إلى ضغوط تتزايد وتتفاقم كل يوم، ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية تدفعهم إلى مثل هذه السلوكيات، بل تدفع المئات منهم إلى الانتحار سنويا.

شهد لبنان أكثر من مئتي حالة انتحار خلال النصف الأول من العام الحالي (2018)، وهذا أمر مخيف لكن لم يلفت نظر أو اهتمام من هم في السلطة. وهذا بالنسبة إلى عدد سكان البلاد يساوي معدلا مخيفا، فكيف إذا نظرنا إلى نسبة الشباب الذين يقاومون الانتحار أو يرفضونه كفكرة وهم لا يقلون يأسا وإحباطا عمن انتحروا بالفعل؟

ولا يبدو أن الأمور بلغت أوجها، ولكنها إلى المزيد من التعاظم والتفاقم؛ فالضغوط على الشبّان تأخذ وتيرة متزايدة، خاصة ما يتعلق بالعمل والأجور وتكاليف الحياة والتطلع إلى المستقبل الذي يبدو كالحا في عيونهم. البطالة بينهم تكاد تبلغ كل يوم رقما قياسيا جديدا وتكاد الفرص تقتصر أمامهم على الوظيفة العامة في الأسلاك العسكرية والأمنية والتي لا تأخذ من تعدادهم إلا نسبة ضئيلة تملأ شواغرها بحسب الولاءات، والأجور تكاد لا تسد الرمق في ظل ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة.

معظم شبان لبنان يرغبون في الهجرة إلى أي مكان في العالم، فهم على ثقة بأن الحياة في أي مكان آخر من العالم ستفتح أمامهم آفاقا جديدة وربما مستقبلا أفضل، ولكن أبواب السفارات تبقى مغلقة في وجوه غالبيتهم.

يرد المعنيون الأزمات الاقتصادية والمعيشية وقضية تفاقم البطالة إلى النزوح السوري الكثيف. وهذه مغالطة مقصودة ينبغي فضحها، فالعمالة السورية موجودة في لبنان وبشكل كثيف منذ العشرات من السنين؛ إذ لم يتراجع عدد العمال السوريين في لبنان عن أربع مئة ألف عامل إلا في السنتين اللتين أعقبتا خروج القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وبسبب المضايقات التي تعرضوا لها من القوى عينها التي تزعم أن السوريين يزاحمون اللبنانيين على لقمة عيشهم.

شكلت العمالة السورية في لبنان المحرومة من أية ضمانات أو تأمينات اجتماعية والتي ترضى بالأجور المتواضعة التي يرفضها اللبنانيون على الدوام مصدر إثراء لأصحاب المشاريع في قطاعات الإنتاج المختلفة، خصوصا في الزراعة والبناء.

أما عن قيام عدد من السوريين بإنشاء مصالحهم الخاصة في لبنان من مطاعم ومقاه وسواها، فإن السوريين أصحاب تلك المصالح ليسوا من النازحين، وإنما من مؤيدي النظام السوري ويتمتعون بغطاء يجعل من المتعذر على السلطة وأجهزتها مواجهتهم خصوصا في ظل هيمنة حزب الله وحلفائه.

ليس تحميل النزوح السوري مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان سوى محاولة للتعمية على الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات والتي تكمن في طبيعة الاقتصاد الريعي الذي ينتهجه نظام ائتلاف القوى المسيطرة، والذي يعتمد بالأساس على الريوع البنكية والتطوير العقاري والمضاربات، وعلى صنوف كثيرة من السمسرات والفساد المالي والسطو على أموال الدولة. وهذا لا يحتاج إلى توظيفات وتشغيل أيد عاملة واستيعاب الأعداد المتزايدة من الاختصاصيين خريجي الجامعات والمعاهد.

وعليه، لن تنفع الشباب في لبنان تلك الإطلالات المتكررة لحاكم مصرف لبنان ليطمئن اللبنانيين على سلامة الوضع المالي وثبات سعر صرف الليرة اللبنانية وعلى نسبة ارتفاع الاحتياطي النقدي بالعملات الصعبة في البنك المركزي، كما لا ينفع كل ما ينشر من أخبار عن نمو أرباح القطاع المصرفي في لبنان ولا الحديث عن موقع لبنان الائتماني عالميا. كل ذلك لم يؤمن الكهرباء ولا المياه النظيفة ولا الخدمات الصحية والاستشفائية لعموم اللبنانيين، ولم يؤمن حتى حلولا مقبولة لأزمة النفايات، فكيف له أن يؤمّن فرص العمل لعشرات الآلاف من الشبان وأن يخفف من وطأة ارتفاع تكاليف المعيشة وأن يرفع أجور العاملين حتى تتناسب مع الحد الأدنى لحياة كريمة؟

اليوم، يسير الشبان اللبنانيون في الشوارع وهم يتحدثون إلى أنفسهم بصوت عال، لكن لن يطول بهم الأمر حتى يدركوا من ينبغي توجيه خطابهم إليه بالصوت العالي. ولمن يتغافل عما يدور اليوم في الشارع ففي الغد سيفاجئه هذا الشارع.

7