غليان في غزة يؤشر على تحولات من القاع الاجتماعي إلى السطح السياسي

العديد من العوامل التي تحيط بالمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة تحول هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة إلى نقطة ساخنة من الاضطراب الاجتماعي والنفسي داخلها، ولعل مؤشر ارتفاع نسبة الجريمة في القطاع يدل على أن حركة حماس الإسلامية فشلت بالفعل في إدارة القطاع الذي يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية حادة.
الجمعة 2016/08/12
مناخ مناسب لنمو الجريمة

غزة (فلسطين) - يشهد قطاع غزة موجة ملفتة من الجرائم المنظمة وعمليات السطو والقتل العمد، وهذا يؤشر على حالة غليان اجتماعي كثيفة قد تكون مغمورة إلى حد الآن لكنها حسب مراقبين سوف تكون الأعنف عند الظهور في حالة الفشل في السيطرة عليها.

فقد انتهت محاولة الشاب محمود رشدي للاستجمام مع عائلته على شاطئ بحر غزة مؤخرا بصدمة تعرض سيارته للمداهمة وسرقة مبلغ مالي كان داخلها.

وتفاجأ رشدي، وهو شاب في نهاية العشرينات من عمره، بسرقة مبلغ 500 دولار أميركي من داخل سيارته بعد مداهمتها أثناء الوقت القصير الذي قضاه على شاطئ البحر، غير أن صدمة هذا الشاب كانت أشد لدى تقديمه بلاغا بالسرقة في أقرب مركز شرطة إلى مكان الحادثة عندما أبلغه الضابط المناوب بأنهم تلقوا ستة بلاغات مماثلة خلال أسبوع.

أما حادثة سرقته فقد تم تسجيلها ضد مجهول حتى إشعار آخر لعدم وجود مؤشر على الفاعل، وافتقاد شوارع غزة حتى السياحية منها لكاميرات مراقبة توثق ما يجري من حالات سرقة في وضح النهار.

وشهد قطاع غزة تصاعدا غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة في معدلات جرائم السرقة والسطو المسلح انتهى عدد منها إلى حالات قتل للمعتدى عليهم.

وصدم المجتمع المحلي في غزة في شهر يونيو الماضي وخلال شهر رمضان بحادثة قتل مسنة شارفت على الثمانين عاما بدافع السرقة في مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة، وتضاعفت الصدمة من الحادثة بعد إعلان الشرطة عن إلقاء القبض على الجاني وهو نجل محاضر جامعي معروف له مكانته الاجتماعية. وقبل ذلك قتلت سيدة أخرى في مدينة غزة بعد تعرض منزلها في أحد الأبراج السكنية لعملية سطو مسلح نفذها أربعة شبان بدافع السرقة.

مصطفى إبراهيم: السكان باتوا عاجزين عن تحمل ما يعانيه القطاع من أوضاع اقتصادية كارثية

وحسب إحصائيات حقوقية محلية فإن قطاع غزة شهد 12 جريمة قتل منذ مطلع العام الجاري أغلبها على خلفية السرقة وجرائم سطو مسلح، وهو ما يشكل معضلة كبرى أمام الأجهزة الأمنية وخلايا البحث في المجتمع.

ويؤكد الناطق باسم جهاز الشرطة في قطاع غزة أيمن البطنيجي، وجود “تصاعد غير مسبوق” في تسجيل جرائم السرقة والسطو المسلح في القطاع التي تستهدف المنازل السكنية والسيارات وحتى المارة في الطرقات العامة.

ويصف البطنيجي هذا التطور بأنه “مشكلة كبيرة” يواجهها المجتمع في قطاع غزة، لكنه يرفض اعتبار ذلك “بوادر مرحلة جرائم منظمة”، مؤكدا أن الوضع “تحت السيطرة”.

ويشير الضابط إلى أن“الشرطة تبذل جهودا كبيرة في مكافحة الجرائم وملاحقة فاعليها وتتم متابعة الشكاوى بشكل مستمر”، معتبرا أن ما يجري “سببه الأساسي هو الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانتشار معدلات الفـقر والبطالة في صفوف المواطنين”.

كما يؤكد البطنيجي أن عوامل ردع الجريمة في قطاع غزة “موجودة عبر الأحكام والقضاء، وسبق أن تم تنفيذ أحكام إعدام بحق مرتكبي جرائم قتل في غزة”، كما سبق أن نفذت وزارة الداخلية في غزة التي تديرها حركة حماس الإسلامية في 31 مايو الماضي عقوبة الإعدام بحق ثلاثة فلسطينيين متهمين بقضايا قتل وسطو، وذلك ردا على التصاعد النسبي في جرائم القتل والسرقة في القطاع.

وفي حينه أعلن النائب العام المعين من حكومة حماس المقالة السابقة في غزة إسماعيل جبر، أن 13 حكما بالإعدام في قضايا جنائية تنتظر التنفيذ. إلا أن تنفيذ أحكام الإعدام قوبل بانتقادات واسعة من جهات حقوقية فلسطينية كونها تمت خلافا للقانون الأساسي الفلسطيني الذي يشترط مصادقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على أحكام الإعدام قبل تنفيذها وهو أمر لم يتم في غزة.

كما أن تلك الجهات الحقوقية تشكك في أن يشكل تنفيذ أحكام الإعدام والسجن المشدد رادعا في مكافحة معدلات الجريمة المتصاعدة في غزة مع استمرار انتشار معدلات قياسية للفقر والبطالة في صفوف السكان، وهذا ما يؤدي إلى التفكير في ضرورة القيام بإصلاحات جذرية في البرامج الاقتصادية التي تقوم بتنفيذها حركة حماس في القطاع المعروف بكثافته السكنية وصغر مساحته.

حماس غير قادرة بشكل فعلي على معالجة المعضلات الاجتماعية التي يعاني منها الفلسطينيون في غزة

وتؤكد آراء حقوقيين ومعارضين أن الحركة غير قادرة بشكل فعلي على معالجة المعضلات الاجتماعية التي يعاني منها الفلسطينيون في غزة في ظل تباعد بين الضفة الغربية والقطاع وعدم توفير تجانس ووحدة سياسية واضحة للمجال الفلسطيني للتمكن من الوصول إلى التنمية الشاملة.

وتفرض إسرائيل حصارا مشددا على قطاع غزة الذي يقطنه زهاء مليون و900 ألف نسمة، منذ منتصف عام 2007 إثر سيطرة حماس على الأوضاع فيه بالقوة بعد جولات اقتتال مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية.

وإلى جانب الحصار، شنت إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد قطاع غزة؛ الأولى نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، والثانية في نوفمبر 2012، وصولا إلى الهجوم الأخير في تموز وأغسطس عام 2014 لمدة خمسين يوما متواصلة.

كما يعاني قطاع غزة من استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي مع الضفة الغربية وتعثر جهود المصالحة وعدم بسط حكومة الوفاق التي تشكلت في يونيو 2014 سيطرتها على الأوضاع فيه مع استمرار خلافاتها مع حركة حماس.

ويقول الباحث الحقوقي في غزة مصطفى إبراهيم إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها سكان قطاع غزة والارتفاع القياسي في معدلات الفقر والبطالة وغياب سيادة القانون والعدالة الاجتماعية ونظام للضمان الاجتماعي، كلها تعد أسبابا رئيسية لتصاعد معدلات الجريمة.

ويشير إبراهيم إلى أن كثيرا من سكان غزة باتوا عاجزين نفسيا عن تحمل ما يعانيه القطاع من أوضاع اقتصادية كارثية، وعدم قدرتهم على تلبية الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأنفسهم أو لأبنائهم.

تنامي الجريمة تحت حكم حماس

وينبه إلى مخاطر انتشار حالات اليأس والإحباط في صفوف سكان غزة مع استمرار أزمات نقص الخدمات الأساسية جراء الحصار الإسرائيلي، والانقسام الفلسطيني الداخلي، وما يسببه ذلك من ضغط نفسي هائل.

وفي ظل ذلك تسود مخاوف في القطاع من أن تتدحرج معدلات الجريمة وحوادث الفوضى الأمنية ككرة لهب لتهدد لاحقا الأمن والسلم الداخليين وتقود إلى واقع أكثر خطرا من الفوضى المنظمة.

وفي هذا السياق، يحذر إبراهيم من أن استمرار الوضع الحالي من فوضى وجرائم قتل وسرقة متكررة في قطاع غزة خطير جدا “بحيث يجعل كل الاحتمالات مفتوحة بشأن مستقبل الوضع الأمني”.

ويشدد الناشط الحقوقي الفلسطيني على أن تحقيق الأمن والأمان للمجتمع الفلسطيني يتطلب تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي والصحي، وعدم الإقصاء والاجتثاث والكراهية، والحد من البطالة والفقر والظواهر الاجتماعية الشاذة التي تنهش اللحم الحي للمجتمع.

وتعتبر نسبة البطالة في أوساط سكان قطاع غزة من بين الأعلى في العالم حيث تصل إلى حوالي 42.7 في المئة بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وأظهر تقرير صدر حديثا عن صندوق النقد الدولي أن قطاع غزة يعيش ظروفًا صعبة جدًا، وأن ما يقرب من ثلثي الشباب فيه دون وظيفة، ما أدى إلى تفاقم المصاعب الاجتماعية والوضع الإنساني المتردي أصلا.

7