غموض في جائزة "الإبداع العراقي"

على المثقفين العراقيين عدم السماح لأيّ جهة كانت استغلال مثل هذه المسميات، ما لم تكن قادرة على تنفيذها بالطريقة اللائقة وبمقدار مناسب من المهنية.
الأحد 2018/05/27
جائزة تثير الكثير من الجدل والاستهجان سنويّا

نتيجة لموجة التردي والمحسوبية وعدم النزاهة السياسية والفساد التي تعم البلاد في العراق، فقد انسحبت تلك السلوكيات على كافّة النشاطات والفعاليات الثقافية التي تجري في العراق، وآخرها ما يسمى بـ”جائزة الإبداع العراقي” التي أعلنت نتائجها قبل أيّام، والتي تثير الكثير من الجدل والاستهجان سنويّا.

وبالإضافة إلى عدم وضوح المعايير التي تنظم وفقها تلك الجائزة وغموض آلية عملها وطبيعة الترشيحات لها، رافقت جائزة هذا العام ظاهرة مثيرة للاستغراب تمثلت في عدم إعلان طبيعة اللجان التحكيمية وأسماء المحكّمين، كما جرت العادة في مثل هذه الجوائز التي تعتمد المهنية والحيادية والنزاهة، وبدل أن يجري تقديم أعضاء اللجان التحكيمية وتعريف الجمهور بهم وبجهدهم ومعاييرهم التي اعتمدوها في عملهم وقراءة تقريرهم التقييمي النهائي للأعمال المشاركة، جرى التعتيم على تلك اللجان من قبل اللجنة المنظمة ولم يجر التطرق إلى أسماء المحكمين.

ولعل الظاهرة الأبرز في جوائز هذا العام هي رفع قيمتها المالية إلى عشرة ملايين دينار عراقي لكل فئة ـما يعادل 7500 دولارـ بدل خمسة ملايين في الدورات السابقة، وهو الأمر الذي زاد من حدّة التدخل والسعي المحموم من قبل البعض للفوز بمغانمها المالية بغض النظر عن القيمة الفنية للأعمال الفائزة. وعلى الرغم من أن فوز بعض العناوين الإبداعية في بعض الفئات جاء مستحقا إلى حد ما، إلا أن الغموض ظل يكتنف عمل اللجان التي خلا أي تقرير من الإشارة إليها.

الأمر الذي يضع وزارة الثقافة العراقية ودوائرها المعنية في موضع المساءلة والمطالبة بتوضيح الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الخلل الكبير المتمثل بحجب أسماء الأعضاء في لجان التحكيم وعدم نشر تقاريرهم الفنية ليطلع عليها جمهور المثقفين والصحافة ووسائل الإعلام وبيان آرائهم التي أدت إلى منح الجوائز لبعض الأعمال دون غيرها ومواطن تميز هذه الأعمال، كي تدفع الوزارة عنها التهم الموجهة إليها، لا سيّما وأن الكثير من المسؤولين في الوزارة يتحلون بالنزاهة الإدارية ولا يخضعون للابتزاز والتوصيات المريبة، على الرغم من عدم اختصاصهم في المجال الإبداعي، ولعل اعتماد لجان تحكيمية متخصصة واحترافية ونزيهة في هذه الحال، هو الإجراء السليم الذي من شأنه أن يجنبهم النقد، لذا فإن هؤلاء مطالبون بتوضيح أسباب عدم إعلان أسماء الأعضاء في لجان التحكيم وعدم قراءة التقارير الفنية الخاصة بهم والتي قاموا بموجبها بتحديد الفائزين ومنحهم الجوائز.

لقد انتشرت في السنوات الأخيرة دعوات متزايدة للابتعاد عن تلك الجائزة وتجاهلها وإشاعة اليأس من نزاهتها ونشر تهم الفساد والمحسوبية في شأنها، انطلاقا من حالة الفساد الشاملة المنتشرة في البلاد وعدم ضمان النزاهة والحيادية والمهنية المطلوبة، ويستند مطلقو هذه الدعوات إلى حالة فقدان المعيارية التامّة في البلاد، وبالتالي في الحياة الثقافية والنشاطات التي تُنظم باسمها.

 وما زال مثال الفساد المهول الذي حصل ضمن فعالية بغداد عاصمة الثقافة شاخصا في الأذهان حين بُددت المبالغ الضخمة التي تجاوزت مئات الملايين من الدولارات على الكثير من المشاريع الوهمية التي لم يسمع بها أحد لاحقا، كما أسست تلك الحالة غير المسبوقة لآلية مختلة في عمل الحياة الثقافية، ما زالت تبعاتها تتواصل حتى يومنا هذا، وبالعودة إلى جائزة الـ”الإبداع العراقي” فإن مبررات تأسيسها وحملها اسم الإبداع العراقي والثقافة العراقية، يضعها أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية كبرى، طالما أن الأمر يتعلق باسم العراق والثقافة العراقية أولا وقبل كل شيء، وعلى المثقفين العراقيين عدم السماح لأيّ جهة كانت استغلال مثل هذه المسميات، ما لم تكن قادرة على تنفيذها بالطريقة اللائقة وبمقدار مناسب من المهنية.

10