غموض مستقبل السودان يفتح ملفات ديونه المتخلفة عن السداد

مشكلة الديون أكبر الاختبارات الحاسمة أمام السلطات المقبلة، والفوائد المتراكمة لخدمة القروض تفاقم أزمات الخرطوم المالية.
الاثنين 2019/04/15
رحلة مضنية باتجاه المجهول

ضاعف الغموض، الذي يكتنف مستقبل السودان، بعد إزاحة الرئيس عمر البشير عن الحكم، حالة عدم اليقين بشأن ديون البلاد المتخلفة عن السداد منذ عقود طويلة، والتي تعتبرها جهات مقرضة اختبارا حاسما لمدى قدرة السلطات المقبلة على حل المشكلة المزمنة.

الخرطوم – طالب السودان أمس بإعفائه من ديونه الخارجية، وإزالة العقبات التي تحول دون تلقيه المساعدات والتمويل من المؤسسات الدولية، باعتبار أن الدولة خارجة من نزاع.

وتأتي الخطوة بعد أيام من إثارة الإطاحة بالرئيس عمر البشير، والذي حكم البلاد لثلاثة عقود من الزمن، اهتماما بين المتعاملين والحائزين لديون السودان المتعثرة.

وتراهن جهات دولية مقرضة على أن تتمكن السلطات الجديدة من نفض غبار ديون بمليارات الدولارات تمثل فيها الفوائد قرابة 28 مليار دولار، والتي تخلفت الخرطوم عن سدادها منذ وقت طويل.

وهناك تحديات تعترض تنفيذ الخطوة أولها الغموض، الذي بات يسيطر على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية  بعد سيطرة المجلس العسكري على السلطة.

السودان البلد الوحيد الذي عليه متأخرات لصندوق النقد تشكل 80 بالمئة من إجمالي ديونه المستحقة
السودان البلد الوحيد الذي عليه متأخرات لصندوق النقد تشكل 80 بالمئة من إجمالي ديونه المستحقة

وفي أعقاب أسابيع من المظاهرات أججتها زيادات حادة في تكاليف المواد الغذائية والبطالة، وعد المجلس، الذي تولى حكم البلاد، بفترة انتقالية تفضي إلى حكومة مدنية منتخبة.

ونسبت وكالة رويترز لأحد حائزي الديون، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن “هذه لحظة حاسمة للبلاد، ونحتاج الآن لمعرفة ما سيحدث، أي نوع من الحكومة أو أي زعيم سيأتي، وكيف سيتطور الوضع”.

ولفت إلى أن هناك إمكانية لتغيير حقيقي لكن التغيير ليس دائما للأفضل وقد يستغرق الأمر وقتا طويلا جدا حتى تتحسن الأوضاع في البلاد.

وتتركز معظم التعاملات في ديون السودان حول قرض مضمون من الدولة صدر في 1981، في إطار اتفاقية لإعادة هيكلة دين قيمته الأصلية 1.64 مليار دولار.

وبعد فترة قصيرة من ذلك، تخلفت الخرطوم مجددا عن سداد التزاماتها بشأن القرض، ولم تقدم الحكومات المتعاقبة في عهد البشير على فعل شيء أيضا.

ويقدر محللون الآن المبلغ المستحق، بما في ذلك حوالي أربعة عقود من الفوائد غير المدفوعة، بنحو 8 مليارات دولار.

لكن آخرين يتوقعون أن تؤدي الاضطرابات الأمنية إلى زيادة الارتباك في معالجة الأوضاع، ما قد يدفع الخرطوم لتأجيل النظر في هذه المسألة.

وديون السودان، المجمدة طيلة تلك الفترة، هي جزء من سوق غامضة لميراث ديون دول معزولة عن المجتمع الدولي، مثل ديون كوبا التي ترجع إلى ما قبل فيدل كاسترو أو القروض التي أصدرتها كوريا الشمالية.

وفضلا عن تخلفه ديونه، خضع السودان أيضا لعقوبات أميركية مرتبطة بالصراع في دارفور لحوالي عقدين.

وكانت الولايات المتحدة قد شطبت معظم عقوباتها عن السودان في أكتوبر 2017، لكنها أبقته في قائمتها للدول الراعية للإرهاب.

وأبقت هذه الخطوة الاقتصاد السوداني مخنوقا وجعل من شبه المستحيل للشركات أن تعمل في صفقات بالدولار ويقطع أي سبيل للوصول إلى أسواق رأس المال الدولية والكثير من مصادر التمويل الأخرى للحكومة.

وباستثناء الصومال، فإن السودان هو الآن البلد الوحيد في العالم الذي عليه متأخرات لصندوق النقد الدولي، تشكل أكثر من 80 بالمئة من إجمالي المتأخرات المستحقة لتلك المؤسسة المالية الدولية.

ستوارت كالفيرهاوس: ديون السودان ربما تتجاوز 51 مليار دولار بسبب انحدار قيمة الجنيه
ستوارت كالفيرهاوس: ديون السودان ربما تتجاوز 51 مليار دولار بسبب انحدار قيمة الجنيه

والبلد الفقير الواقع في شمال شرق أفريقيا يئن تحت ديونه، وتشكل القروض التي تخلف عن سدادها للقطاع الخاص جزءا صغيرا من ذلك العبء.

وقال ستوارت كالفيرهاوس رئيس أبحاث الديون السيادية والدخل الثابت في مؤسسة إكسوتكس، إن “الدين العام الخارجي للسودان يبلغ حوالي 51 مليار دولار”.

وأوضح الخبير المالي أن هذا الدين يشكل 88 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه رجح أن تكون النسبة أعلى بسبب ضعف العملة المحلية.

وقال صندوق النقد في ديسمبر 2017 إن السودان كان مؤهلا لإعفاءات من سداد الديون في ظل خطة في 1996 تشمل الدول الفقيرة الأكثر مديونية بالتعاون مع البنك الدولي.

وأكد في تقرير حينها أن “الأوضاع الاقتصادية في السودان شديدة الصعوبة منذ انفصال الجنوب في 2011 وخسارة غالبية إنتاج وصادرات النفط، وهو ما فاقم البيئة الخارجية الصعبة”.

وفي حال قام بلد بإصلاح عبء ديونه مع المقرضين الثنائيين والمتعددي الأطراف، فإنه يتعين عليه أن يتوصل إلى اتفاقية مع المقرضين من القطاع الخاص قبل أن يستطيع الوصول مجددا إلى أسواق رأسمال الدولية.

وأفاد متعامل في الديون بأن بائعا سحب مركزا بشأن السودان مع رغبته في أن يرى أولا ما يحدث. ومع هذا فإن آخرين يعكفون على تقدير هل زيادة محتملة في السعر قد تكون فرصة للبيع.

وقال حائز آخر لدين تخلف السودان عن سداده “كانت لدينا مؤخرا انتكاسات قليلة، البعض قد يعتقد أن زيادة في الأسعار الآن قد تكون فرصة جيدة للخروج”.

11