غموض مستقبل لبنان يقلص فرص تسديد الديون

محاولات لتخفيف الأزمة بجدولة السندات السيادية من بينها سندات مستحقة السداد هذا العام.
الجمعة 2020/01/17
ضبابية الخيارات تعكس احتقان اللبنانيين

اعتبر محللون أن أي محاولة لبنانية لإعادة هيكلة للديون السيادية ستزيد الأمور تعقيدا خاصة في ظل تضاؤل الفرص والخيارات أمام السلطات النقدية للمضي قدما في هذا المنحى نتيجة التعثر السياسي المتواصل لتشكيل الحكومة وفي ظل غياب شرط قانوني يمكنه من القيام بذلك دون موافقة الدائنين.

بيروت - كشف مصدر مطلع أن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية طلب من حاكم مصرف لبنان المركزي وقف عملية مبادلة مقترحة لسندات دولية مستحقة هذا العام بعدما حذرت وكالات تصنيف ائتماني من أنها قد تنطوي على تخلف اختياري عن السداد.

ويحوز لبنان، أحد أكثر الدول المثقلة بعبء الدين في العالم، سندات دولية قيمتها 2.5 مليار دولار مستحقة السداد هذا العام منها سندات بقيمة 1.2 مليار دولار مستحقة السداد في مارس.

وقال المصدر لوكالة رويترز إن وزير المالية علي حسن خليل ذكر في رسالة إلى حاكم المصرف المركزي رياض سلامة إن الحكومة بحاجة إلى أن تتخذ أولا قرارا حول كيفية تمويل سنداتها المستحقة في 2020.

وبحسب المصدر، أقر خليل بحق المصرف المركزي في إدارة محفظته من السندات، لكنه طلب إرجاء المبادلة، التي سيحصل بموجبها حائزو الدين المحليون على سندات أطول أجلا، بسبب الآثار المحتملة على التصنيف السيادي.

ونفى سلامة في تصريح لرويترز، الأربعاء الماضي، المضي قدما في أي مبادلات قبل أن تتخذ الحكومة قرارا بشأنها.

وليس لدى لبنان خطة إنقاذ حكومية أو اقتصادية منذ استقالة سعد الحريري من رئاسة الوزراء في 29 أكتوبر الماضي بفعل احتجاجات واسعة ضد النخبة الحاكمة.

15 مليار دولار قيمة السندات اللبنانية منذ 2014، منها 2.5 مليار دولار مستحقة هذا العام

وطلب سلامة صلاحيات إضافية، الأسبوع الماضي، قائلا إنه يريد توحيد القيود التي تفرضها البنوك.

وتفرض البنوك التجارية بشكل فردي قيودا على عمليات سحب العملة الصعبة، إذ تضع سقوفا ضيقة للسحوبات الدولارية وتمنع أغلب التحويلات إلى الخارج.

وقال المصدر المطلع على الأمر إن “وزارة المالية طلبت من سلامة أن يذكر بشكل محدد الصلاحيات الإضافية التي يطلبها وعلى أي أسس قانونية”.

ومع تسارع الأزمة المالية والسياسية الشديدة، تنفد خيارات لبنان لتجنب التخلّف عن السداد. وهناك عدد من السبل المحتملة لحدوث ذلك من بينها تمديد آجال استحقاق السندات.

واقترح لبنان أن يطلب من البنوك المحلية وغيرها من المستثمرين الذين يحوزون مجموعة من السندات الحكومية مستحقة السداد هذا العام مبادلتها بسندات ذات آجال أطول لمنحه مجالا أوسع للتحرك.

وقال مصرف لبنان المركزي، الأسبوع الماضي، “يمكن أن يبادل الحائزون اللبنانيون لسندات دولية مستحقة في 2020 حيازاتهم بسندات أطول أجلا”، وهي خطوة قد تخفف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي الآخذة في التقلص في ظل أزمة مالية عميقة.

ونظرا لأن ذلك يغير العقد الأساسي للسندات، حذرت وكالات التصنيف الائتماني لبنان على ما يبدو من أن ذلك قد ينطوي على ما يُعرف بتخلف “اختياري” أو “محدود” عن السداد.

ويختلف التخلف الاختياري أو المحدود عن التخلف بمعناه الأشمل حيث يعكس حقيقة أن بعض السندات أو الالتزامات ربما لا تزال ستسدد.

وهناك سيناريو آخر أمام السلطات النقدية اللبنانية ويتعلق بالأساس بمبادلة مخاطر الائتمان.

علي حسن خليل: يجب اتخاذ قرار بشأن تمويل السندات المستحقة لهذا العام
علي حسن خليل: يجب اتخاذ قرار بشأن تمويل السندات المستحقة لهذا العام

وعلى الرغم من المغزى الرمزي لوسم من وكالة ائتمان بالتخلف عن السداد، فإن هذا قد لا يسفر بالضرورة عن إقبال على تنفيذ عقود مبادلة مخاطر الائتمان التي ربما اشتراها المستثمرون أو المتعاملون كنوع من التأمين للحيازات.

وبدلا من هذا يعتمد ذلك على لجنة مؤلفة عادة من بنوك ومستثمرين وغيرهم من المتخصصين في أسواق مبادلة مخاطر الائتمان.

وتُشكل هذه اللجنة عادة تحت مظلة الجمعية الدولية للمبادلات والمشتقات التي تتخذ من نيويورك مقرا لها.

ويعتقد محللون أن الخيار الثالث أمام لبنان هو المساس بالودائع المصرفية، الأمر الذي يشكل ضربة على غرار النموذج القبرصي.

وهذا الاحتمال الرامي لدعم الأوضاع المالية للبنان يتمثل في السيطرة على شريحة من الودائع الخاصة بالأفراد والشركات المُحتفظ بها في البنوك اللبنانية.

واُستخدم هذا الإجراء المثير للجدل في قبرص في ذروة أزمة ديون منطقة اليورو. وقال جيمس مكورماك رئيس فريق التصنيف السيادي في وكالة فيتش إن “هذه الخطوة لا ينتج عنها في الواقع تخلف عن السداد نظرا لأن تعريف التخلف عن السداد يتركز بدرجة أكبر على عدم سداد الديون”.

وتواجه السندات السيادية اللبنانية في ظل استمرار الضبابية السياسية، التي تلقي بظلال قاتمة على الأوضاع الاقتصادية للبلاد، مخاطر التعرض للملاحقة من طرف المحاكم الدولية في حال رفض الدائنون إعادة هيكلة تلك القروض.

وهناك مخاوف متزايدة في ضوء إشارات الإنذار التي تطلقها سندات لبنان من أزمة ديون سيادية تلوح في الأفق.

ويعتبر لبنان من بين عدد قليل من الدول إلى جانب البهاما وأذربيجان ومقدونيا وبولندا التي لا تستخدم ما يسمى بشروط العمل الجماعي المحسن، في الإطار القانوني الحاكم لمبيعات سنداته في الآونة الأخيرة.

ووفق صندوق النقد الدولي، أصدر البلد المأزوم سندات دولية بنحو 15 مليار دولار منذ أكتوبر 2014 دون استخدام تلك الشروط، أي أكثر من أي بلد آخر.

وتُيسر مثل تلك الشروط التي يشجع عليها صندوق النقد المضي قدما في إعادة هيكلة ديون الدول عن طريق تمكين غالبية الدائنين من الاتفاق على تعديل شروط السداد في العقد أو إعادة هيكلة الدين، متجاوزين أي عقبات قد يضعها دائنو الأقلية الذين قد يفضلون التقاضي.

ويعني غياب هذه الشروط عمليا أن يتعين على المدين نيل موافقة بالإجماع على أي إعادة هيكلة، مما يمكن أن تستغله صناديق المضاربة كثيرة التقاضي والساعية لعرقلة أي حل عن طريق المطالبة بمدفوعات مشفوعة بأحكام قضائية.

وأعلنت السلطات مرارا التزامها بسداد أي سندات بالعملة الصعبة في موعدها، لكن مع تراجع أسعار سنداته الدولارية إلى أقل من نصف قيمتها منذ اندلاع الاحتجاجات، فإن مراقبين ماليين يعتقدون أن لبنان قد يحتاج إلى إعادة هيكلة ولو في جزء من سنداته القائمة البالغة 86 مليار دولار لكي يرسي أوضاعه المالية على أسس
مستدامة.

ومع تعثّر تشكيل حكومة وتفاقم حدّة الأزمة، تزداد نقمة اللبنانيين على الطبقة السياسية والمصارف التي تشهد يوميا إشكالات مع المودعين الراغبين بالحصول على أموالهم في خضم أزمة سيولة حادة تنذر بتصاعد الاحتجاجات.

وفيما لا يزال سعر الصرف الرسمي مثبتا عند 1507 ليرات مقابل الدولار، لامست العملة الأميركية عتبة 2500 ليرة في السوق الموازية، التي ظهرت في الصيف الماضي للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.

10