غواية الأطروحة

الأربعاء 2017/04/05

غالبا ما تنجح الروايات التي تتضمن أطروحة عن شريحة سياسية أو اجتماعية مثل النازيين أو السود أو المثليين أو المتطرفين الإسلاميين والأفلام المروجة لصورة افتراضية عن معاناة شعوب كالهنود الحمر، واليهود واللوحات الناقلة لوجهات نظر تجاه ذاكرة بصرية كالوشم أو الحروف والأزياء…، تنجح لأن القارئ والمشاهد بقدر ما يسعى إلى تلقي الجميل واستهلاكه والانحياز له، فإنه مجبول على البحث عن التواؤم في النظر إلى القيم والقضايا التي يناصرها أو يناهضها؛ لهذا غالبا ما تفلح على نحو باهر تمثيلات القضايا في الأدب والفن حيث تجد سندا موضوعيا تتكئ عليه، وجمهورا واسعا من الباحثين عن الاقتناع بصدق أفكارهم وانحيازاتهم.

وأحيانا تهاجم تلك التمثيلات باعتبارها تلفيقات تقلب الحقائق وتسخر الفن في خدمة أطروحات مبتذلة. لكن هل بالإمكان في المحصلة أن نحكم على تلك الإبداعات (الأطروحات) بالعمق والصدق والجمال لمجرد نجاحها في جذب المتلقين وإقناع شرائح واسعة منهم؟، وبعبارة أكثر دقة هل بالإمكان أن ينطوي الأدب والفن العظيمان على رسالة عنصرية أو ظالمة؟

في مداخلة للروائي اللبناني رشيد الضعيف ضمن ندوة عن “السينما والحدود” في مهرجان سينما البحر المتوسط، انعقدت قبل أيام، تحدث عن تقويض السينما لمفهوم الحدود سواء في الإدراك الثقافي له أو الجغرافي، وتكوينها لمجال سائح ومفارق، ينسج هويات مختلفة ومتعارضة، ومنزاحة باستمرار عن افتراضات الواقعي، بحيث يجد المرء نفسه منتميا إلى مجالها الدنيوي والقيمي.

واستثار “الضعيف” من ضمن ما استثاره أفلام رعاة البقر التي شكلت رؤية جيل بكامله لا ينتمي إلى جغرافيتها (ولا إلى حدودها) عن الشجاعة والتضحية والانتصار على التوحش وغيرها من القيم التي تنهض على أساس أخلاقي مختل في النهاية.

افتراضات الروائي استثارت جدلا طويلا عن جمالية تلك الأفلام ورسائلها وعن مدى استعداد المشاهد للتواؤم معها. بيد أن ما أزعجني في ذلك النقاش هو تورطه الكبير في “الحدود” الصارمة التي إما تحكم على تلك الأعمال بمعايير الجميل والقبيح أو بمعايير العادل والظالم، دون محاولة فهم سياقات التلقي ووظائفها في تحديد القيمة الجمالية.

ففي النهاية لا يمكن أن نعرّف وجهات النظر التخييلية بأنها ظالمة أو عادلة متوازنة أو مختلة إلا بطرح سؤال أساس هو: بالنسبة إلى أي متلق؟ وأي ثقافة؟ فلا يمكن أن نقنع اليوم قارئا مناهضا لفكر الجماعات الإسلامية أن رواية “مولانا” لإبراهيم عيسى –مثلا- اختزالية وتبسيطية، على النقيض من مشاهد متحمس لأطروحات الإسلام السياسي الذي سيعتبرها كذلك.

كما لا يمكن إقناع يهودي من أي بقعة في العالم أن فيلم “إيكسودوس”، منطو على مبالغات وأساطير وتلفيقات تخييلية ظاهرة، فالأساسي بالنسبة إليه أنه ينسجم مع عقيدته، وصادق في مناصرته لقضية ينتمي إليها.

كاتب مغربي

15