غواية الإجابات الجادة عن فخاخ أسئلة خاطئة

الثلاثاء 2018/01/09

هناك أسئلة فخاخ، وأخرى خاطئة تعكس أزمة، وكلتاهما ثمرة جهل لا تجدي معه الإجابة. ومن شِراك الأسئلة، أو الأسئلة الشراك، أن يواجهك أحد بهذا الخيار: أيهما أفضل، قبضة صدام حسين المحافظة على وحدة البلاد، أم الفوضى والحرب الأهلية تحت الاحتلال الأميركي؟ سؤال لا يرد عليه إلا برفض الخيارين، واستنكار منطق السؤال الخاطئ؛ لأنه لا يطرح فضاء لإجابة ثالثة تتحرر من شرور هذين الجحيمين.

ولكن “رجال الدين” جاهزون بالإجابة عن أي سؤال، ومن يتصفح الموقع الإلكتروني لدار الإفتاء المصرية، بتسع لغات، سيفاجأ بأسئلة غريبة تنتمي إلى عصر “الفتوحات” والبداوة: حكم إقامة المسلمين في بلاد غير المسلمين، هل يعتبرون كفارا لأنهم يعيشون في مجتمع غير إسلامي؟ ما حكم تولي الوظائف الحكومية في البلاد غير الإسلامية؟ ما حكم سفر البنت لأداء العمرة مع خال أبيها باعتباره محرّما؟ ما حكم عقد الزواج يوم الجمعة؟

ولن ينتبه الجادون في الإجابة إلى عبث مثل هذه الأسئلة إلا إذا وجّه إليهم سؤال في كشك الفتوى بمترو الأنفاق أو إلى دار الإفتاء نفسها، عن رأي الدين في نطق كلمة “المترو” غير العربية، والحكم الشرعي في ركوب مترو الأنفاق؟ لأنه مضاد للطبيعة إذ يخترق جوف الأرض، مارا من أسفل البنايات والأنهار، بما يناقض ظاهر آية “إنك لن تخرق الأرض”؟

في مصر أسئلة موسمية خاطئة، يفترض أن يحال من يثيرونها أو يشغلون أنفسهم بها إلى الطب النفسي للعلاج؛ فالإجابة عنها ليست من اختصاص رجال الدين، ولم يكن العلماء قبل نصف قرن ليتخيّلوا أن يصل الخطل بمصري فيؤرق عقيدتَه تناولُ البيض الملون في “شم النسيم”، وهو عيد الربيع، الاحتفال المصري الأقدم من عيد القيامة.

أو يسأل عن حكم احتفال المسلمين برأس السنة، وتهنئة المسيحيين بأعيادهم. والأغرب من السؤال الخاطئ هو جدية الإجابة، ونحمد الله أن دار الإفتاء في إجازتها تهنئة المسيحيين بعيدهم استندت إلى قبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من غير المسلمين، والتعامل معهم، “كل ذلك في ضوء تسامح المسلمين مع مخالفيهم في الاعتقاد”.

هو إذن التسامح الإسلامي لا التعايش الإنساني المبني على قاعدة المواطنة. التسامح الإسلامي مرهون بطبيعة من يتسامح، وقد يفتي متشدّد بحرمة ما أحله سلفه، وقد حرم الإخوان وفريق من السلفيين تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد قبيل حلول عام 2012، بعد فوزهم بأغلبية في البرلمان، وانتفاء الحاجة إلى التقيّة الوطنية.

ليست دار الإفتاء وحدها التي اهتمت بالإجابة، وأخلصت في الرد على السؤال باعتباره قضية القضايا، وإنما تحمس للإجابة أيضا الوكيل السابق لوزارة الأوقاف سالم عبدالجليل مستشار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأسفر كلامه عن شبهة استعلاء لم يفلح التمهل المتعقل في مداراتها.

الرجل الذي سجل الآلاف من الساعات وكان مسؤولا عن الحوار بين وزارة الأوقاف والكنيسة جانبته الفطنة في مايو 2017 حين أشعل فتنة، وأهان الملايين بتأويل لا يفيد أحدا، بقوله في برنامجه التلفزيوني “المسلمون يتساءلون” إن عقيدة اليهود والنصارى فاسدة وضالة، لكن لهم عندنا التعايش والمعاملة الحسنة. فاته الوعي بأن العقيدة لا تناقش، فلا توجد عقيدة سليمة وأخرى سقيمة، وكما يقبّلُ حجر ويطاف حوله، يقدس آخرون الشمس أو حيوانا وهم واعون بأنه لا ينفع ولا يضر، ولكن له دلالة على تجدّد الحياة أو منحها معنى ما.

في ذلك الوقت أحنى عبدالجليل رأسه للعاصفة، ولكنه لم يتنازل عن اتهام عقيدة أهل الكتاب بالضلال، في سير على هدي مصطفى مشهور المرشد السابق للإخوان، إذ صرّح عام 1997 بعدم جواز إلحاق المسيحيين بالجيش المصري؛ “لأنه سيكون مشكوكا في ولائهم.. بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية”.

الواقعة أكدها خالد داود الذي نشر التصريح في جريدة “الأهرام ويكلي”، فسارع محام إلى رفع قضية، وتوسط البعض للصلح، فقال لهم مرشد الإخوان إن الصلح شيء والعقيدة شيء آخر، وإن على المسيحيين أن يدفعوا الجزية، في مقابل إعفائهم من التجنيد؛ فلا يجوز أن يكونوا جنودا في جيش دولة مسلمة، هذا تشريع الله، ولا يجوز إلقاء السلام عليهم.

اختفى عبدالجليل بضعة أشهر، ومنع من الخطابة ولم تعد له صفة رسمية، ويبدو أن جهات خفية أرادت إخراجه من الثلاجة، لتخفيض درجة التجميد، فوجدنا صورته تشغل مساحة عزيزة بالصفحة الأولى في الأهرام، 31 ديسمبر 2017، وتنشر معه مقابلة في مساحة زادت على نصف صفحة يدعو إلى تهنئة المسيحيين “من باب البر والإقساط”.

ربما بمعنى التفضّل، ولم يتنازل فيسمي مناسبة الميلاد عيدا، بل راوغ بالتعميم قائلا إن “تهنئة غير المسلمين بمناسباتهم المحببة إليهم… تندرج تحت قول الله سبحانه وتعالى “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم”.

هنا إصرار على تقسيم العالم إلى فسطاطين، وربط بر المسلمين بغيرهم في “دار الإسلام” بأن يكونوا مسالمين، ولا وجود لحقيقة أنهم مواطنون لا يجوز سؤالهم عن دينهم، ويحاسبون مثل أي مواطن، بعيدا عن هذا الخطاب السقيم الذي يسرّب إلى البسطاء وعيا بأن غير المسلم كافر يحل دمه، وهذا يفسر إقدام أمّيين لا علاقة لهم بتنظيمات إرهابية على حرق كنيسة، وتكرار وقائع قتل مسيحيين لأنه يبيعون الخمور، في نبوءة بما ورد في إنجيل يوحنا “سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله”.

ولكن إيمان المصريين الفطري وحسهم الديني الشعبي سابق وأكثر عمقا وصدقا من التديّن الرسمي الوظيفي، وإلى هؤلاء ينتمي الشاب طه رفعت علي، وهو إمام وخطيب مسجد الدسوقي المجاور لكنيسة مارمينا بحلوان، وقد نادى في الميكروفون قبل خطبة الجمعة، 29 ديسمبر 2017، داعيا الأهالي إلى إنقاذ الكنيسة من الهجوم الإرهابي.

سيصحّ دين المسلم حين يثق بقوة إيمانه، ويعي أن عقيدته لا تدعو إلى غزو العالم، وأن الإسلام متين لا يهدده جرس كنيسة أو الاتجار في الخمور، ولا ينتقص منه خروج جماعي أو فردي إلى دين آخر، ولا إلحاد ليست عليه عقوبة بنص القرآن.

روائي مصري

9