غواية المرآة.. في فن السيرة الذاتية

بعض السير الذاتية العربية الصادرة حديثا لا تشعر بمصداقية في ما تسرده الأنا عن أناتها في لحظات ضعفها وحزنها أو حتى فشلها على نحو ما صوّر وأبدع طه حسين في "الأيام".
الأحد 2018/03/11
السير الذاتية العربية خالية من أهم شرط ألا وهو الصدق العاري

فن السيرة الذاتية غربي المنشأ، لم تعرفه الثقافة العربية إلا في مرحلة لاحقة؛ فقد نشأ متأثرا بدوافع عديدة من أهمها الدافع الديني، فالدين المسيحي بما يقرُّه من مفاهيم كانت تُلزم بمحاسبة النفس والضمير. ومن ثمّ لجأ الكثيرون إلى تسجيل اعترافاتهم بغية التطّهر. والسيرة الذاتية في أبسط تعريفاتها “هي سيرة حياة الشخص بواسطة الشخص نفسه”، وبمعنى أدق هي النظر في المرآة. ومع أن هذه النظرة مغرية للواقف أمام المرآة، إيجابا وسلبا، حيث يسعى صاحب السيرة إلى تجميل صورته وإظهارها بعكس ما هي عليه. وأحيانا يستغل السيرة للانتقام من أشخاص بتشويه صورهم وسرد عيوبهم.
يظن الكثيرون أن كتابة السيرة الذاتية سهلة، ومن ثم نرى حالة من الفوضى في هذه الكتابات التي تندرج تحت هذا الجنس. وإن كان يغيب على كُتّاب السِّيرة أن منظريها وضعوا لها مواثيق غليظة، هي أشبه بـ”المواثيق مع الشيطان” على نحو ما فعل الفرنسي فيليب لوجون أو “اليمين السيري”، وهو ما يعادل القسم أمام ساحة القضاء كما هو عند الإنكليزي ديزموند مكارثي. هذا الميثاق يُلزم كاتبه بالصدق العاري، حيث تعرية النفس أمام المرآة دون زيادة أو نقصان، بغرض الوقوف على محطات حياته، الإشادة بالنجاح واستخلاص الدرس من تجارب الفشل والإخفاق.
 لم تعرف الكتابات العربية سيرا جريئة على نحو ما شاهدنا في كتابات الغرب كما فعل القديس أوغسطين في “اعترافاته” أو جان جاك روسو في “الاعترافات”.. إلخ من نماذج دالة ومتمثلة للميثاق. فالثقافة العربية لا يتحمّل سقف حريتها المشدود والخاضع لأنساق العادات والتقاليد وقبلهما الدين هذه التعرية، خاصّة التعرية الجنسيّة والنزوات الغرامية، كما أن حُرّاس الفضيلة يقفون بالمرصاد إلى كُتَّابها، شاهرين قوانين القيم وخدش الحياء. 
هكذا جاءت السير الذاتية العربية على كثرتها خالية من أهم شرط في السيرة ألا وهو الصدق العاري. ومن ثمّ كانت الصدمة التي تركتها سيرة المغربي محمد شكري “الخبز الحافي” وقد  تحدّث فيها عن حياته البائسة وطفولته التي عاشها مشردا في طنجة بعد أن جاء من الريف. ومع هذه الجرأة في تعرية ذاته وعائلته أمام القراء في كسر لنمطية الكتابة الذاتية التي راجت، إلا أنه تحايل عن مفهوم السيرة وراوغ بعنوان مطّاط حيث وصفها بأنها “سيرة روائية” وهو ما يعطي مساحة لإعمال الخيال، بعكس السيرة التي هي استعادة حياة واقعية.
أبرز السير العربية التي شكَّلت صدمة ليس من الناحية الأخلاقية، وإنما من ناحية الأعراف الجامعية، ما كتبه الدكتور رؤوف عباس تحت عنوان “مشيناها خطى” وهي السيرة التي فتحت النار عليه لانتقاده الأوضاع داخل الجامعة، ولم يكتف بالإشارة وإنما صرّح بالأسماء. وهو ما قاده إلى حملة مطاردات وصلت إلى القضاء. وكان رؤوف ملتزما بميثاق السيرة، وهو الصدق، وتنحية أي عواطف بعيدا. لكن الطرف الآخر لم يتقبل هذا الصدق الذي وصف بأنه جارح تارة وتارة أخرى بأنه تدليس وكذب. تبرز هنا إشكالية كبيرة في مسألة هل ما يقوله السارد هو الصدق بعينه؟ ولماذا لا يعتبر ما قاله تجربة شخصية ورؤيته للأحداث بعد رويّة وتأمّل، رغبة في الوصول إلى الضفة الأخرى، متجردا مما كان عبئا على صدره حتى خطه على الورق.
بعض السير الذاتية العربية الصادرة حديثا لا تشعر بمصداقية في ما تسرده الأنا عن أناتها في لحظات ضعفها وحزنها أو حتى فشلها على نحو ما صوّر وأبدع طه حسين في “الأيام”، وإنما تشعر وكأنها ذات متضخمة تنظر في مرآة مقعّرة وتقول بصوت فيه خيلاء “أنا وحدي في هذا العالم”.

10